فك الارتباط بالسياسات الليبرالية الجديدة.. المدخل للتغيير

يمكن القول إن عام 2009 هو عام : نهاية النيو ليبرالية»…فعلى المستوى الفكرى كتب فوكوياما (صاحب الكتاب الأشهر نهاية التاريخ) فى يناير من العام المنصرم دراسة فى مجلة أمريكان إنترست عنوانها «نهاية الريجانية»، يعلن فيها فشل السياسات النيو ليبرالية وضرورة تجاوزها وعلاج سلبياتها.. وتوالت الدراسات والمؤتمرات التى تعيد النظر فى السياسات النيو ليبرالية…وعلى المستوى السياسى العملى نجد جوردن براون رئيس وزراء بريطانيا يقول فى 17 مارس الماضى ما نصه إن «إجماع واشنطن الذى ظل مسيطرا لمدة 40 سنة مؤيدا سياسة الأسواق الحرة فى كل مكان، قد وصل إلى نهايته» Free markets has come to an end وهو كلام أقل ما يوصف به أنه يعد انقلابا جذريا على سياسات السوق، كما أن مقولة «دعه يعمل، دعه يمر قد انقضى يومها» وانتهى زمانها Laissez –faire has had its day، إنه الكلام الذى وصفناه وقتها بأنه «بروسترويكا رأسمالية» بدرجة أو أخرى…

0
0
0
s2smodern

فيوليت والبكباشى: حدوتة مصرية مؤلمة

(1)
الأعمال الأدبية الحقيقية تقدم أشخاصا من لحم ودم.. وتنسج فيما بينهم علاقات وتشكل وقائع وأحداثاً تعبر عن الواقع وتعقيداته.. واقع نعرفه، ولكن العملية الأدبية تعيد ترتيب التفاصيل بشكل مبدع بما يتيح تجسيد التحولات الاجتماعية وخيارات أشخاص العمل الأدبى فى هذا الإطار.. والنتيجة أن مثل هذه الأعمال تثير لدى القارئ الكثير من الأفكار التى تعين على فهم الواقع واتخاذ الموقف المناسب تجاهه وربما تغييره.. وهنا الأدب يمكنه أن يفعل ما تعجز عن فعله السياسة.

(2)
فى هذا السياق قرأت رواية «فيوليت والبكباشى» للصديق عمرو كمال حمودة، أحد أهم الباحثين فى مجال الطاقة، وهى العمل الأدبى الأول له (إصدار دار يهفن).. العمل يقترب بعمق وبنعومة لما جرى فى مصر منذ الخمسينيات وإلى السبعينيات، من خلال البكباشى يوسف عبدالمنعم الذى لاشك فى وطنيته، حيث ترصد الرواية كيف أنه مع كل موقع يصل إليه فى حياته العملية بعد قيام الثورة كان يعنى هذا انفصالا عن الواقع وعن أسرته وأولاده، واستغراقا أكثر فى علاقة عاطفية مع فيوليت الزوجة لآخر، ولديها أبناء من زوجها الذى يرضى عن علاقتها بالبكباشى نظير المال.. ما يعنى زيادة الأعباء عليه وعدم القدرة على إدارة ما يكلف به من مسؤوليات..
فهاهى الشركة العامة التى كلف بإدارتها لا تحقق أى مكاسب ما اضطره لتصفية بعض الودائع البنكية لصرف أرباح للعاملين.. لم تعد الحياة العامة للبطل إلا وسيلة لخدمة حياته السرية غير الشرعية لفترة غير قصيرة، ولاحقا لتلبية حاجات فيوليت وأولادها بعد أن تزوجها عقب مؤامرة خطط لها زوج فيوليت كان يهدف منها إلحاق فضيحة بيوسف وابتزازه بعدها.. ولكن يوسف بنفوذه استطاع أن «يلم» الموضوع.

(3)
لقد انشطر البطل بين الحلم بالمجتمع الجديد: مجتمع الكفاية والعدل، والثورة على التقاليد البالية، والذى كان أحد المكلفين ببنائه، وبين واقعه الذى يتناقض جذريا مع قيم المجتمع الجديد.. واقع خسر فيه على المستوى الشخصى: نفسه وتاريخه النضالى وزوجته أم أولاده إلى الأبد.. وعلى المستوى العام: سوء استخدام النفوذ، والسلطة، وعدم النجاح فى المسؤوليات التى تولاها.
لذا كان الانهيار كبيرا والهزيمة كاسحة جعلت البكباشى يجلس أمام النيل لساعات «لم يذرف أى دموع، إنما يبكى فى غزارة من أحشائه..طالبا استعطاف النهر.. متسائلا هل يمكن أن تسامحنا؟». 

(4)
وجاء انتصار أكتوبر المجيد مجددا للإرادة الوطنية المصرية، إلا أن التحولات الاجتماعية جعلت من شلة البكباشى تتراوح بين البيزنس «حيث تسعة أعشار الرزق فى التجارة»، وبين السفر إلى الخليج، للاستجابة لاحتياجات الزمن الجديد الذى بدأت تتزايد فيه المطالب والتطلعات لكل أفراد أسرتى يوسف عبدالمنعم زوجته الأولى وأولاده وزوجته الثانية وأولادها.. وعندما أرسل له شقيقه الصغير الذى يعمل فى الخليج، عقد العمل الذى توسل إليه أن يوفره له لمواجهة احتياجات الحياة المتزايدة.. قامت بتشجيعه على السفر للخليج.. وما إن طالبها أن تذهب معه ردت على طلبه بقولها: «دول سنتين ولا ثلاثة.. فترة تهون، وحاتيجى كل سنة مرة ولا مرتين».. وكاد أن يتسول موافقتها: «وأهون عليكى أبعد؟».. ولكنها لم تترك له منفذا: «ما تضغط على.. دى فرصة هايلة لك ولنا كلنا».. وهكذا أصبح لفيوليت مشروعها المستقل ولم تعد هناك حياة سرية بعد فالمخفى صار مكشوفا ومنسجما مع المجتمع الجديد مجتمع السوق والثقافة المحافظة. 

(5)
على الرغم من أن الرواية هى العمل الأول لكاتبها إلا أن القارئ يمكنه أن يشتم فيها عبق الكتابة المحفوظية وشخصياتها الحائرة والمنقسمة على نفسها بداية من السيد أحمد عبدالجواد، وابنه كمال عبدالجواد، وعيسى الدباغ وغيرهم.. انقساما يبدو أنه بات مرافقا لتاريخ مصر الحديث والمعاصر فى حقبه المتعاقبة منذ محمد على، يعوقها عن التراكم ويجهض كل محاولة للنهوض.. إنها حدوتة مصرية مؤلمة لأن أحداثها متكررة
انقساما على مستوى الصورة البادية أمام الآخرين والسلوك الخفى..وبين الشعارات التى يتم تبنيها، سياسية كانت أو دينية والممارسة العملية.. وبين الحلم والواقع.. وبين القيم والعلاقات الاجتماعية السائدة..انقسامات تؤدى بالمجتمع إلى وجود فجوات حادة.. وانتقالات من النقيض إلى النقيض.. وفى مقابل ذلك تعثر كل جهد يبذل من أجل التقدم.
تجسد الرواية هذه المعانى بسلاسة.. ورغم أنها تعبر عن مرحلة ما من تاريخنا إلا أنها تثير الكثير حول الحاضر والمستقبل.. تحية للروائى الجديد عمرو كمال حمودة ولعمله الأول.

 
0
0
0
s2smodern

مسلمون وأقباط 1910 و2010: من السجال (المدنى) إلى (الدينى)

تشير أحداث النزاع الدينى، التى زادت وتيرتها فى السنوات الأخيرة، إلى أن هناك خللا قد طال العلاقة بين المواطنين المصريين من المسلمين والمسيحيين. خلل لم يعد من المفيد معه التستر والتغطية عليه أو إغفاله والتعامى عنه.كما لا يمكن التعاطى معه عن طريق المسكنات أو التهدئة المصطنعة، أو اللقاءات الاحتفالية التى تلعب دورا امتصاصيا لتداعيات الأحداث.. ذلك لأن الخلل لم يعد طارئا أو عارضا وإنما بات مزمنا منذ أربعة عقود، ما يعنى تهديدا لوحدة الوطن وتماسكه، وهو أمر كفيل بأن يضعف مناعته ويسهل تعرضه لما أطلقنا عليه مبكرا، مرة، «فيروس التفكيك» (راجع دراستنا المعنونة «المواطنة الثقافية أو فيروس التفكيك»، التى قدمت إلى ندوة الحوار القومى/ الدينى التى نظمها مركز دراسات الوحدة العربية فى ديسمبر2007، ونشرت أعمالها 2008).. ما خطورة ذلك ودلالته؟

0
0
0
s2smodern

النزاع الدينى: قراءات.. وملاحظات.. ورؤية للمستقبل

القارئ لتاريخ المجتمعات التى شهدت قدرا من التطور، يمكنه أن يدرك بسهولة ويسر كيف أن انتظام هذا التطور كان يقع عاتقه على المعاصرين من رجال الفكر والسياسة وأهل الاختصاص فى وضع الرؤى والتصورات التى تجعل من التقدم حقيقة.. وفى نفس الوقت كيف يمكن التصدى لكل ما من شأنه إعاقة التقدم.. وذلك بالاجتهاد فى وضع الحلول الناجزة بمنهج مستقبلى يضمن التقدم للأجيال القادمة وليس الحلول المؤقتة والتسكينية. بيد أن بقاء القضايا المطروحة منذ عقود هى نفسها المطروحة إلى الآن، هو أمر يحتاج إلى وقفة حاسمة..

0
0
0
s2smodern