دولة المواطنة لا تُبنى «بالغلبة»

تعكس تصريحات وممارسات بعض رموز الإسلام السياسى فى الآونة الأخيرة الشعور بالغلبة. فالقراءة التحليلية لخطاب البعض منهم تقول إنهم كأنهم يمارسون العمل السياسى بطريقة جهادية فى مواجهة الآخرين. والسؤال: هل يمكن أن تبنى الأوطان فى ظل مناخ استقطابى من جهة وشعور طرف بالتغلب على الآخرين من جهة أخرى؟

(1)

فى واقع الحال بات هذا الخطاب الذى تزايدت وتيرته فى الآونة الأخيرة يشعرنى بالقلق. فالغلبة لا تبنى وطناً إنما تبنى مملكة «من غلب» إذا ما استعرنا التعبير الفقهى على حساب الآخرين، انتظارا لمن يأتى عليه الدور فى الغلبة ليبنى مملكته، وهكذا. الغلبة دائما تشعر صاحبها بأنه فى حالة غنى عن الآخرين، وأنه ليس فى حاجة إليهم.

(2)

وهكذا تتحول العلاقة بين التيارات السياسية والفكرية إلى علاقة بين طرف «غالب» وأخرى «مغلوبة». وهى علاقة تعنى الحضور الأحادى للطرف الغالب ونفى الآخرين. وتختلف هذه الحالة جذريا عن أن تكون العلاقة بين القوى السياسية والفكرية هى حالة قبول بالتعدد. ومن نتائج القبول بالتعدد احتمالية أن يكون طرف محقا فى رؤيته مرة وغير محق فى مرة أخرى، ما يعنى أن طرفا آخر هو المحق، وهكذا… وفى المحصلة الجميع فى حاجة لبعضهم البعض.

(3)

إن الخبرة التاريخية تقول إن الشعور بالغلبة المستندة إلى مطلق إذا ما مورست فيما هو نسبى وزمنى فإن مآلها الهزيمة. الإشكالية أن الذى يدفع الثمن فى هذه الحالة هو الوطن. فى المقابل فإن الخبرات التاريخية التى وضعت فيها القوى المختلفة أفضل ما لديها معا، من أجل التغيير والتقدم، بنت الأوطان على أفضل ما يكون. حيث كان الهدف هو الانتصار للوطن وليس الانتصار للذات وللغلبة فى ذاتها.

(4)

ويؤدى الشعور بـ«الغلبة» إلى عدم رؤية الآخر، فالذات وحدها تكون محور الحركة والهدف هو الانتصار لها. وهنا يصبح هذا الطرف قاب قوسين أو أدنى من الذات المغلقة. ذات لديها امتيازات تميزها عن الآخرين. ومن نتائج ذلك أن يصبح من يؤمن بذلك أشبه بالجماعة المغلقة تتصاهر من داخلها ولا تتعامل إلا مع من ينتمى لما تؤمن به… إلخ. وينتهى الأمر بأن من يشعر بالغلبة من حقه أن يكفّر ويقيم ويهدد ويتوعد.. لغة زادت وكثرت نظن أنها لا تقيم الأوطان.. ونذكر أن من يبدأ بنفى الآخر ينتهى بنفى نفسه.

(5)

الخلاصة لا يمكن أن تبنى الأوطان «بالغلبة».. الأوطان تبنى بالحوار وبناء الجسور وتقديم كل طرف أفضل ما لديه.. هكذا تبنى دولة المواطنة بتعدديتها وباختلاف الرؤى وبثراء الأفكار.. فلا مكان للغلبة وإنما الكل فى حالة تنافس من أجل النهوض بالوطن.. تنافس لا ينفى ولا يستبعد الآخر.. وإنما يؤكد حضور كل ألوان الطيف المصرى، لأن مصر لا تصبح «مصر» إلا بتنوعها الثرى.

ومن لا يرى غير ذلك فهنيئا له الوطن، شريطة ألا يتفكك الوطن.. وفى هذا المقام أذكر بكلمات قالها أدونيس ممتعة ومعبرة وعميقة تقول:

تاريخ المجتمع هو تاريخ الجهر بأفكاره، وتاريخ الجهر بتعدديته.

دون هذا الجهر،لا يكون المجتمع إلا ركام أشياء – نباتا أو جمادا أو هياكل لها شكل إنسان.

لا تاريخ لمجتمع صامت، أو لمجتمع أحادى النظر والفكر.

المعنى مرتبط بالفكر المتعدد – جهرا.

الفكر المتعدد – جهرا هو ما يؤسس لتاريخ المعنى. المجتمع الذى لا يفكر متعددا، وجهرا، لا يمكن أن يخلق معنى إنسانيا عظيما. إنه يعيش خارج المعنى.

بالفكر المتعدد – جهرا، يصير للإنسان تاريخ. الأحادية صحراء.

زوال التعددية فى المجتمع زوال لتاريخه.المجتمع نفسه يفقد اجتماعيته، ويتحول إلى قطيع.

الوجود هو أن يقال بأفكار وطرائق متعددة. ذلك أن الوجود، تحديدا، متعدد.

لا أحادية إلا أحادية الخالق.

الآخر الحر شرط لوجودى الحر.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern