تركيا الجديدة (1): القوة الصاعدة

كشفت رحلة رئيس الوزراء التركى إلى مصر إلى أى مدى يمكن أن نقول إن هناك تركيا جديدة تنطلق فى المجال الحيوى للشرق الأوسط. تركيا جديدة تتسم بتحولات عميقة وكبيرة جديرة بالفهم ليس عبر تحيزاتنا الضيقة، ومحاولة بعض القوى السياسية تفسيرها وفق أهوائها السياسية الانتهازية بعيدا عن الواقع الحقيقى للتجربة وتفاعلاتها، وإنما من خلال إدراك معرفى لأبعاد ما حدث من ديناميكية ذاتية دفعت تركيا أن تتجدد وتصل إلى ما وصلت إليه.

(1)

فى هذه السلسلة من المقالات سنحاول إلقاء الضوء على التجربة التركية الجادة الصاعدة، من زاوية الباحث المغرم بقراءة تجارب الآخرين النهضوية، المهموم بمعرفة لماذا يتقدم الآخرون وكيف، مصدرنا فى ذلك مجموعة من الكتابات المعتبرة. ومن زاوية أخرى من خلال الإطلالة المباشرة على تجربة تركيا فى الحكم المحلى بتجلياته المتعددة، ذلك من خلال رحلة ميدانية شاركت فيها، حرص عليها محافظ القاهرة الحالى للتعرف على النجاحات التى تحققت فى شتى المجالات من أجل حياة أفضل للمواطنين فى تركيا ومحاولة الاستفادة منها. ومن حصيلة هاتين الزاويتين بدأنا نكتب عن تركيا الجديدة.

(2)

تركيا الجديدة من خلال عناوين صحفية سريعة يمكن أن نبلور أهم ملامحها فى الآتى:

■ نجحت تركيا فى تحقيق معدل نمو يبلغ 11 %.

■ لم يكن هذا المعدل على حساب الديمقراطية وإنما فى سياقها.

■ الدولة لابد أن تحمى الجميع وتضمن حقوقهم الثقافية بما فى ذلك غير المؤمنين.

■ تركيا الجديدة وحل الخصومة بين الدين والدولة.

■ تقدم الدول يبدأ من المحليات.

وتعكس هذه الكلمات مضامين عميقة تكشف القراءة التفصيلية لها عن عمق التجربة التركية والتحولات المركبة التى تحققت.

(3)

لم يكن التقدم الذى شهدته تركيا وليد تغييرات جزئية أو إصلاحات هيكلية شكلية أو إصدار قوانين ولوائح منبتة الصلة عن الواقع، وإنما عبر تحول مركب متعدد العناصر يشمل الاقتصادى والاجتماعى والسياسى والثقافى. وتشير القراءة التاريخية والسوسيواقتصادية لمضمون ما جرى فى تركيا على عمق هذا التحول. تحول عميق شمل الطبقات الاجتماعية، وتحديث المؤسسات، وابتكار أفكار مبدعة لحل مشاكل الناس الحياتية اليومية، والاجتهاد الثقافى لحل الخصومة التاريخية بين الدين والسياسة وصياغة معادلة ثقافية مبدعة تكون طاقة للانطلاق والتقدم، وأخيرا إعادة اكتشاف تركيا دورها الإقليمى تجعلها تتحرك فيه كقوة كبرى تنصح وتدعم وتوازن… إلخ.

(4)

يمكن القول إن مواجهة الواقع هى مفتاح التجربة التركية، فهناك فرق بين أمم تنطلق فى بناء مشروعها النهضوى من مواجهة الواقع وإشكالياته، وأمم تبالغ فى أحلامها غير مدركة أن الواقع يحمل من الإعاقات ما يحول دون تحقيق أى حلم من الأحلام. فى هذا المقام يقول ميشال نول فى كتابه «عودة تركيا إلى الشرق» (2010): «المغالاة فى نزعة التماثل بأوروبا والغرب تمنع تركيا من إدراك التطور الحاصل فى النظام العالمى عقب وفاة ستالين، وتحول دون الانفتاح على العالم الثالث. وقد واجهت البلاد، نتيجة لذلك، صعوبة فى التكيف مع الانفراج، ولم تتمكن خلال هذه المرحلة من الاندماج فى التقسيم العالمى الجديد للعمل. وبقى الدور التركى مهمشا نسبيا حتى الثمانينيات من القرن العشرين حيث تكيفت تركيا على نحو أفضل مع التقسيم العالمى للعمل».

(5)

هذا التكيف قام على أمرين، هما: الأول مواجهة الواقع بمشكلاته المتنوعة: الاقتصادية والسياسية والثقافية، والثانى عمل تغييرات جذرية فى البنى المختلفة فى ضوء رؤى استراتيجية مركبة ومتداخلة تنطلق من إرادة سياسية تصب فى اتجاه بناء تركيا جديدة قوية ناهضة ليس فى داخل حدودها فقط وإنما تتعدى هذه الحدود إلى مجالها الإقليمى الواسع العربى والشرق أوسطى والأوروبى والآسيوى. كيف حدث هذا؟ نواصل الحديث فى الأسبوع المقبل.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern