الطبقة الوسطى ومستقبل مصر (1): الميلاد والمسار

لماذا الحديث عن الطبقة الوسطى؟ ننطلق فى هذه السلسلة من المقالات من فرضية أن الحراك الثورى الذى انطلق فى 25 يناير 2011 هو نتاج حركة الطبقة الوسطى التى غابت وتم إقصاؤها فى لحظة تاريخية وذلك مع تطبيق سياسات الليبرالية الجديدة. وهو ما دفع الراحل العالم الكبير رمزى زكى فى نهاية التسعينيات إلى أن يصدر مؤلفا بعنوان «وداعا الطبقة الوسطى». ولكن لأسباب نذكرها فى حينها هى الأسباب التى كانت الطريق لـ25 يناير عادت الطبقة الوسطى مرة أخرى إلى الحلبة السياسية تمثل رأس حربة ضد النظام السياسى. ولكن بين «تجدد الدور» و«تردد الفعل» نلاحظ أزمة الطبقة الوسطى المصرية التى هى أزمة مصر فى الحقيقة…ولكن قبل ذلك ربما يكون من المفيد فى كلمات «تغريدية- تويترية» أن نرصد ميلاد هذه الطبقة ومسارها وصولا إلى اللحظة الراهنة ومحاولة استشراف المستقبل.

الميلاد

هناك طبقة وسطى تنتمى لما قبل الدولة الحديثة. وأخرى ولدت من رحم دولة محمد على مطلع القرن التاسع عشر. الأولى كانت تتكون من التجار والمشايخ من ذوى الثقافة التقليدية والذين ارتضوا بحسب سعد الدين إبراهيم بأدوار ذات طبيعة اجتماعية لا تقترب من السياسة إلا عند الضرورة، وفى إطار الوساطة بين «الرعية» و«الحاكم الوافد». أما الطبقة الوسطى الحديثة فقد تشكلت نتيجة التعليم الحديث بعلومه الجديدة فنتج الخبراء والضباط والموظفون…ومع تبلور المؤسسات الحديثة للدولة والهياكل الانتاجية المتنوعة، كان الأبناء المحدثون للطبقة الوسطى هم من شغلوا هذه المؤسسات. كان من المفترض أن تحل هذه المؤسسات بطبقتها الوسطى الحديثة محل التكوينات الأولية التقليدية بطبقتها القديمة ولكن التجاور كان سيد الموقف. تلازمت الطبقتان معا: الوسطى القديمة والوسطى الجديدة.

المسار

ناضلت الطبقة الوسطى على مدى القرن التاسع عشر من أجل تحديث مصر والمشاركة السياسية والذى تجلى بالأساس فى أمرين هما: حماية الحاكم من الديانة الأوروبيين. كما حدث من خلال مجلس شورى النواب، ووضع دستور للبلاد ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتحقيق الاستقلال الوطنى. تراوح نجاح هذه الطبقة ما بين الفشل والنجاح. ومع مطلع القرن العشرين وجدنا هذه الطبقة يزيد عددها وتنتشر فى المدن الكبرى. وجاءت 1919 حتى انتفضت هذه الطبقة وكانت قاعدة انطلاق الثورة المصرية. ولكن مع مرور الوقت وجدت الطبقة الوسطى نفسها خارج السلطة التى احتكرها كبار ملاك الأرض. وقاوم غالبية أبناء الطبقة الوسطى الإقصاء بأن انخرطوا فى جماعات سياسية- رسميا- تعد غير شرعية شعبوية الطابع أو شاركوا الشرائح العمالية نضالاتهم، وبعضهم عاد إلى الحضور من خلال تكوينات أولية تقليدية. ومع ثورة 1952 تحقق للطبقة الوسطى «احتلال مقدمة المسرح فى المجتمع المصرى» بحسب يونان لبيب رزق. فلقد كانت قرارات النظام بعناصره الحاكمة تراعى مصالح الطبقة الوسطى وتطلعاتها كما وفرت لها- كما يقول محمد سيد أحمد- إمكانية الارتقاء الاجتماعى وأصبحت قيم الطبقة الوسطى الحديثة هى المرجع.

وبعد،

جاءت هزيمة 1967 وفقدت الطبقة الوسطى الكثير والكثير…؟ وهو ما نفصله المقال القادم.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern