الدين والتغيير والمستقبل.. (2)

ماهو موقف الدين من الحراك الشبابى والشعبى، الذى رأته مصر فى الشهر الماضى؟ لماذا تراوحت المؤسسات الدينية ورموزها فى إعلان مواقفها من هذا الحراك؟ ومن هم الذين اتخذوا موقفاً مغايراً وقاموا بدعم الحراك؟..

هذه الأسئلة أظنها مهمة وجديرة بالطرح.. وقد حاولنا فى الأسبوع الماضى من خلال استعراضنا لتاريخ مصر منذ محمد على إلى يومنا هذا أن نقول إن هناك علاقة وثيقة بين السياق التاريخى والفكر الدينى وخطابه مسيحياً كان أو إسلامياً.

أشرنا من خلال المتابعة التاريخية كيف أن الفكر الدينى وخطابه يتأثران إيجاباً أو سلباً باللحظة التاريخية من حيث الاجتهادات الدينية التى يتم إنتاجها والخطاب الدينى الذى يعبر عن هذه الاجتهادات، أو بلغة أخرى كلما كان المجتمع يناضل من أجل النهوض ينعكس ذلك إيجاباً على الفكر الدينى من حيث أولوية الموضوعات التى يناقشها ونوعيتها وطبيعتها وجودة الاجتهادات ورقى الخطاب، وجدية ما يطرح والحرص على إيجاد إجابات مبدعة ومتجددة للتحديات الفكرية المطروحة والاشتباك البناء مع قضايا المجتمع الحقيقية، والعكس صحيح، حيث نجد الفكر الدينى يميل إلى المحافظة، ويميل إلى الجمود والركود فى اللحظات التى يمر فيها المجتمع بالتراجع، وعليه مر الفكر الدينى بأربع مراحل منذ محمد على وإلى الآن: أولاها المرحلة التأسيسية من محمد على إلى مطلع القرن العشرين، حيث اتسمت هذه المرحلة بالاستنفار والإحياء، وثانية هذه المراحل المرحلة الليبرالية – الراديكالية من 1919 إلى 1969، حيث عنى الفكر الدينى بقضايا الحداثة والتحديث، وذلك بالمقاربة العقلية للإيمان وبالاشتباك الجرىء مع قضايا الواقع الاجتماعى.

وثالثها المرحلة المحافظة من 1969 إلى 1979، حيث خاصم الدين الحداثة وانكفأ على نفسه، أما المرحلة الرابعة فقد وصفناها بالمتراوحة، حيث كان الفكر الدينى متردداً فى مواجهته للتحولات التى جرت بفعل اقتصاد السوق والتداعيات التى حدثت ليس اقتصاديا فقط وإنما ثقافيا، فاقتصاد السوق أردنا أو لم نرد يحول الإنسان إلى شىء.

فقيمة الإنسان بما يملك لا بذاته (معاك قرش تساوى قرش.. معاك جنيه أو دولار تساوى جنيه أو دولار)، وعليه يتوارى الإنسان صورة الله وخليفته فى كل من اللاهوت والفقه، لحساب الإنسان، يضاف إلى ما سبق كيف أن العولمة قد ساهمت فى أن يقتصر جل الفكر الدينى على كيفية المحافظة على أولادنا وشبابنا أخلاقيا دون الاجتهاد بالاشتباك مع جديد العصر.

 ونتيجة لكثير من العوامل بدا وكأن الفكر الدينى راضياً عن السياسات القائمة بكل عوراتها، فلم نسمع عن مواجهة صريحة لها أو مراجعة لما تحدثه من اختلالات من عينة زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء أو تنامى التمييز واللامساواة بين الناس وسوء الخدمات، واكتفى الفكر الدينى فى أحسن الأحوال على أن يدعم النشاطات الخيرية لمعالجة آثار السياسات المأخوذ بها، فلم نسمع عن اجتهادات تنموية تراعى العدل والإعمار المتكافئ بين الناس فى هذا السياق حدث الحراك الشبابى الشعبى، ووجدنا عدم قدرة على استيعاب جسامة ما وصلنا إليه، فكان التردد على اعتبار أن ما يحدث هو تجاسر على السلطة من قبل مجموعة مارقة تفتقد الأدب، أو أن ما يحدث هو بالمطلق من فعل جماعة سياسية تسعى للسلطة، ومن ثم لابد من التحوط، وفى المقابل نجد كيف أن من أيد الحراك من رجال الدين لم يستطع أن يقدم اجتهاداً دينياً فى مستوى ما حدث، فوجدنا خطاباً دينياً ذا مضمون مختزل لم يمتد للاجتماعى والفلسفى أو إلى عمق الظاهرة، وفى كل الأحوال وجدنا كيف أن المرحلة التاريخية التى نعيشها قد عكست أنماط التحالفات بين الكيانات الدينية ورموزها المؤسسية وغير المؤسسية سواء المؤيدة للحراك أو غير المؤيدة للحراك إسلامية ومسيحية.

الخلاصة: الفكر الدينى فى حاجة إلى يدخل فى عملية جدلية مع واقع الإنسان المعاصر بإشكالياته الحقيقية.. بإبداع اجتهادات متقدمة فيما يتعلق بتمكين الإنسان، وقبول الآخر، وأن التعددية من سنن الله فى الأرض، وإعلاء من قيمة الإنسان صورة الله وخليفته فى الأرض والمكلف/المستخلف بإعمارها وحمايتها من الفساد والإفساد، وإعطاء مساحة لقضايا الفقراء والمستضعفين و المهمشين، ولقيم العدل الاجتماعى ومواجهة الظلم والقهر السياسى والاجتماعى وعدم تأييد الحاكم بالمطلق. والمصالحة مع الحداثة.. وإعلاء حرية الاختيار الإنسانى «Choice based»، وإعمال قراءة دينية ذات تجليات إنسانية للدين.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern