’’المواطنيزم‘‘...(19): الشعبويون في أوروبا، حقيقة ولكن

"الشعبوية هي انعكاس ما آلت إليه العملية الديمقراطية بعناصرها المتعددة"؛
عبارة كانت موضوعا للكتاب صدر عام 2005. حيث تناول مجموعة من الباحثين المعتبرين الظاهرة الشعبوية وعلاقتها بأكثر من عنصر مثل: أولا: العملية الديمقراطية السائدة. ثانيا: الحالة الحزبية ووضعية كل حزب في إطارها. ثالثا: السياسات الحكومية السائدة ومدى استجابتها لتطلعات المواطنين. رابعا: درجة الحيوية السياسية للنخبة وقدرتها الإبداعية على تجديد أفكارها ــ بتنويعاتها ــ وتقديم البدائل الناجعة لمواطنيهم. وهي مقاربة وصفها محر

ر الكتاب في مقدمته "بالمقاربة التي تأخذ بالقراءة المتعمقة لأعراض الظاهرة". وذلك كي يميز هذه المقاربة عن المقاربتين: التأريخية و التعميمية وفق تجربة هنا أو حالة هناك. لاشك أن القراءة التاريخية مطلوبة لفهم أصول الظواهر. كذلك الدراسة الميدانية ضرورية. ولكن دون أن تحول من قراءتنا لمستجدات الواقع والأسباب الراهنة التي أدت إلى بزوغ الظاهرة وتمددها.
بصيغة أخرى، نعم هناك حالة شعبوية، لا تنتشر في أوروبا فقط وإنما في باقي القارات. ولكن لا ينبغي تعميمها على الحركية المواطنية المتمددة التي لها رؤى سياسية ومدنية مغايرة وتجليات تنظيمية مختلفة. فلا يمكن وصف حركات وأحزاب الخضر، والحركات المطالبية والحقوقية والفئوية الصاعدة، وائتلافات وأحزاب اليسار الجديد، والليبراليين الديمقراطيين الجدد بأنهم شعبويون. نعم قد تكون هناك تقاطعات بينهم من حيث "الغضب" من النخب والمؤسسات والسياسات القائمة منذ الحرب العالمية الثانية. إلى أنه ــ يقينا ــ لا يمكن أن نصف جميعها، بالمطلق، بالشعبوية. لأنه إن فعلنا ذلك فإننا: أولا: نضخم من الظاهرة أكثر مما تستحق. وثانيا: تمنعنا من ادراك طبيعة التحولات الجارية في المجتمعات المختلفة. وثالثا: تدفعنا إل أن نبخس حق الحركات الصاعدة من أسفل ومن خارج التراكيب التقليدية(حركة بوديموس في إسبانيا أو الكتلة الشبابية الاشتراكية التي تعمل مع بيرني ساندرز من خارج بنية الحزب الديمقراطي الأمريكي،...،إلخ)، والتي تطرح رؤى وأفكار وسياسات جديدة. كما تنتظم وتتحرك وفق ديناميات جديدة ..ولعل نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي (وقد قمنا بتحليلها وتوقع ما أسفرت عنه في أكثر من مقال في هذه السلسة) تحدد بدقة موقع التيار الشعبوي بين باقي التيارات السياسية التاريخية القديمة (كالجمهوري الفرنسي أو الشيوعي الإيطالي أو الديمقراطي الاجتماعي في أكثر من مكان...والجديدة الصاعدة التي نصفها بالمواطنية والتي اختبر بعضها العمل السياسي وخاض الانتخابات سواء على كل دولة على حدة او على المستوى الأوروبي. أو تفضيل البعض الأخر إلى العمل والتحرك في إطار المجال العام ممارسا أدوارا: تفاوضية، أو ضاغطة، أو ...،إلخ. )...
إذن، الشعبوية حقيقة. ولكن علينا أن نضعها في موضعها الصحيح حتى يمكن أن نفهم دوافع تشكلها. وفي ماذا تختلف عن الشعبوية التاريخية التي عرفها العالم في العقود الأخيرة. بداية لابد من قطع أي صلة بين الشعبوية الراهنة وبين الشعبويات التاريخية القريبة إلى الذاكرة. إن الشعبوية الراهنة تختلف عن: أولا: "الشعبوية التاريخية"؛ مثل شعبويتي بيرون وناصر اللتين عرفتا طريقهما إلى الأرجنتين ومصر بعد الحرب العالمية الثانية فيما عُرف بمرحلة الاستقلال الوطني. أو ما يمكن تسميته: "بشعبوية الزعيم". كما تختلف الشعبوية الراهنة عن، ثانيا: "الشعبوية الحركية" التي انتفضت في أوروبا مع بدء الهبوط التدريجي "لجاذبية الاتحاد السوفيتي" ودول أوروبا الشرقية ــ بحسب عالم السياسة الفرنسي برتران بادي ــ وذلك في مواجهة الشمولية الحزبية بداية من ربيع براج(1968) وحتى تفكيك المنظومة ولعل تجليها الأكبر كان في هدم سور برلين( 1989) واسقاط الرئيس الروماني تشاوشيسكو (1989)،...،إلخ. وأيضا تختلف الشعبوية الراهنة عن، ثالثا: "الشعبوية الحزبية" التي عرفتها أوروبا الشمالية منذ الخمسينيات :السويد (حزب الرايخ الشمالي في 1956) وفنلندا (الحزب الريفي الفنلندي ــ 1970)، والدانمرك (حزب التقدم ـ 1972)، والنرويج (حزب أندرس لانج ــ 1973). وأوروبا الغربية: فرنسا (حزب الجبهة الوطنية الفرنسة ــ 1972)...والسؤال أين يكمن الاختلاف؟...
بداية، تشكلت الشعبوية "الزعائمية"؛ بفعل توفر زعيم يسعى للاستقلال السياسي والاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية. أما الشعبوية الحركية؛ فقد انطلقت لتواجه الشمولية السياسية للحزب الواحد. وأخيرا تبلورت الشعبوية الحزبية؛ في إطار استدعاء للهوية القومية عرقية وثقافية. بالرغم من أن هذه الأحزاب تأسست للدفاع عن مطالب صغيرة لدى البعض. فعلى سبيل المثال: تشكل حزب التقدم الدانمركي مقدما نفسه للحياة السياسية في الدانمرك بتبنيه الصراع المُعادي للضرائب. ولإضفاء المشروعية على "المبالغة المطلبية" ــ عموما ــ نجد هذه الأحزاب تتشح بمظلة قومية ذات طابع "هوياتي"(من الهوية) مثلما فعل "حزب أندرس لانج" باتخاذ السيف الذي كان يحمله الجنود الفايكينج شعارا حزبيا...وهكذا...
أما الشعبوية الراهنة فقد تبلورت بصورتها الحالية في سياق إشكالية مركبة تتكون عناصرها من: أولا: أزمة اقتصادية عالمية كارثية انعكست ظلالها على الواقع الأوروبي بدرجات متفاوتة من دولة إلى دولة بين أن دولة الرفاهة الأوروبية تحتاج إلى تجديد في أوروبا الغنية الشمالية والغربية. وأن الطبقة الوسطى وما دونها تعاني الكثير في أوروبا المتوسطية والجنوبية. وأخيرا تعثر أوروبا الشرقية. وثانيا: عدم تجديد العملية الديمقراطية مؤسسيا وسياسيا وضعف القدرة على استيعاب "شباب الألفية الجديدة" في الأحزاب القائمة. ومن ثم التعبير عن التنوع المتجدد في الجسم الاجتماعي. ما يعني أن الأحزاب القديمة التاريخية فشلت في قراءة المستجدات التي تطرأ على الواقع...والنتيجة انطلاق حركية مواطنية جديدة وبالمثل شعبوية متجددة، نتابع الحديث عنها...


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern