قراءة فى وثيقة مسيحية (1-2)

(1)
«نحن، مجموعة من الفلسطينيّين المسيحيّين، بعد الصلاة والتفكير وتبادل الرأى فى المعاناة التى نعيشها على أرضنا، تحت الاحتلال الإسرائيلىّ، نطلق اليوم صرختنا، صرخة أمل فى غياب كلِّ أمل..».


(2)
بهذه الكلمات استهلت مجموعة من القيادات الفلسطينية المسيحية (دينية ومدنية)، وثيقتها المعنونة: «وقفة حق: كلمة إيمان ورجاء ومحبة من قلب المعاناة الفلسطينية».. إنها صرخة تطلقها لكى تسمع فى كل مكان، طرحتها من خلال محفل دولى هو مجلس الكنائس العالمى.. والقارئ لهذه الوثيقة سوف يدرك مدى أهميتها وأنها ليست مجرد كلمات وإنما هى بالفعل صرخة مدوية حول واقع وصلت فيه «مأساة الشعب الفلسطينى إلى طريق مسدود».. وفى كلمات محددة ومباشرة تصف الوثيقة ملامح الواقع المأزوم كما يلى:
فى المستوطنات الإسرائيليّة التى «تنهب أرضنا باسم الله وباسم القوّة، وتسيطر على مواردنا الطبيعيّة».
وفى «المذلّة» اليومية «عند الحواجز العسكريّة، والفصل بين أفراد العائلة الواحدة».
وفى تقييد الحرية الدينية، ترصد الوثيقة المعاناة اليومية للشعب الفلسطينى كله دون تمييز فهى تتحدث باسم المسلمين والمسيحيين من الفلسطينيين.

(3)
فى هذا السياق وفى عبارة مكثفة تؤكد الوثيقة على الحق التاريخى للشعب الفلسطينى، مسلميه ومسيحييه، وتستعيد التاريخ المنسى فتذكر «أن وجودنا، نحن الفلسطينيّين، مسيحيّين ومسلمين، على هذه الأرض ليس طارئاً، بل له جذور متأصّلة ومرتبطة بتاريخ وجغرافيّة هذه الأرض، مثلَ ارتباط أىّ شعب بأرضه التى يوجد فيها اليوم. وقد وقع فى حقِّنا ظلمٌ لمّا هُجِّرنا. أراد الغرب أن يعوِّض عمّا اقترفه فى حقّ اليهود فى بلاد أوروبا، فقام بالتعويض على حسابنا وفى أرضنا. حاول تصحيح الظلم فنتج عنه ظلم جديد».
وفى هذا المقام تذكر الوثيقة فى صياغة حاسمة: «إنّ الاحتلال الإسرائيلىّ للأرض الفلسطينيّة هو خطيئة ضدّ الله وضدّ الإنسان لأنّه يحرم الإنسان الفلسطينىّ حقوقَه الإنسانيّة الأساسيّة التى منحه إياها الله».. إنها خطيئة مركبة لا محالة.

(4)
الوثيقة لا تدين المحتل الإسرائيلى من فراغ، بل انطلاقا مما يقوم به من إسقاط الحديث عن اللاجئين وعن ظروفهم غير الإنسانية التى يعيشون فيها، ومن عنت تجاه الآلاف من الأسرى الفلسطينيين القابعين فى السجون الإسرائيليّة والتى لا يعرف أحد «متى يحرَّرون؟».. ومن استخفاف إسرائيلى بالشرعيّة الدوليّة وقراراتها، ومن انتهاك لحقوق الإنسان.. وأخيرا ما يُقترف بحق القدس من تهويد عبر ممارسات منهجية مستمرة تهدف إلى «تفريغها من سكّانها الفلسطينيّين المسيحيّين والمسلمين»..حيث» يُجرَّدون من هوّياتهم، أى من حقِّهم فى البقاء فى القدس، وتُهدَم بيوتهم أو تُصادَر».
إن القدسَ، مدينة المصالحة، أصبحت مدينة التفرقة والإقصاء ومن ثمّ سبباً للاقتتال بدل السلام.
وأمام هذا الواقع، يدّعى الإسرائيليّون تبرير أعمالهم بأنّها دفاعٌ عن النفس، بما فى ذلك الاحتلال والعقاب الجماعىّ وكلُّ أنواع التنكيل بالفلسطينيّين. وهذه، فى نظر الوثيقة، «رؤية تقلب الواقع رأساً على عقب. نعم، هناك مقاومة فلسطينيّة للاحتلال. ولكن لو لم يكن الاحتلال لما كانت هناك مقاومة».
فى مواجهة ما سبق.. تشير الوثيقة إلى ما وصفته بـ«الكارثة» أى «الصراع الداخلىّ بين الفلسطينيّين أنفسهم وبانفصال غزّة عن الأراضى الفلسطينيّة».. وتعلن الوثيقة بالأخير «إنّ كلمتنا المسيحيّة فى وسط ذلك كلّه، فى وسط نكبتنا، هى كلمة إيمان ورجاء ومحبّة».

(5)
ولعل نزيف الهجرة من أهم ما أشارت له الوثيقة، واعتبرتها من محن الواقع الفلسطينى، «فغياب كلّ رؤية أو بارقة أمل فى السلام والحرّية دفع بالشباب المسلم والمسيحى على السواء إلى الهجرة، فحُرِمَت الأرض من أهمّ مواردها وغناها، أى الشباب المثقّف. وتناقصُ عدد المسيحيّين، بصورة خاصّة فى فلسطين، هو من النتائج الخطيرة لهذا الصراع وللعجز والفشل المحلىّ والدوليّ فى إيجاد حلٍّ للقضيّة برمّتها».
دقت الوثيقة ناقوس الخطر لهجرة الشباب الفلسطينى، وضمناً تلفت النظر مجددا إلى إشكالية تناقص عدد المسيحيين فى فلسطين وغيرها باعتبارها قضية تمس ضعف قدرتنا على الحفاظ على التنوع فى منطقتنا العربية (المسيحيون يمثلون 2% من مجموع عرب فلسطين ونزلت نسبتهم إلى 0.1% من سكان القدس).

(6)
ومن القضايا الشائكة التى تعرضت لها الوثيقة، وشاعت فى ظل صعود اليمين الدينى الأمريكى، قضية التوظيف التوراتى لتبرير الحقوق الإسرائيلية السياسية.. وهو ما استفاضت الوثيقة فى دحضه واستعادت فيه التراث المسيحى المشرقى الثابت منذ أن أقيمت الندوة العالمية للمسيحيين من أجل القدس، التى عقدت فى مايو 1970 فى بيروت، مرورا بكثير من الأدبيات والمواقف التى صدرت عن شخصيات دينية ومدنية أو جهات مثل مجلس كنائس الشرق الأوسط، والفريق العربى للحوار الإسلامى المسيحى، ربما يكون من المفيد أن نوثق هذه الجهود وصولا إلى ما جاء بالوثيقة.. فإلى الأسبوع القادم.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern