دستوريات (8): حتى لا يكون دستوراً من ورق

هدف الدساتير هو تقييد السلطة السياسية وإخضاع من يحكم للمحاسبة وتعزيز سلطة الشعب الذى ناضل من أجل حقوقه.. هنا تتحقق الفاعلية للدساتير فتصبح حية بحق ونافذة.. لا مجرد دساتير من ورق تخدم فئة بعينها أو نخبة سياسية محددة».

(1)

تلخص هذه الكلمات التى كتبها ناثان براون أطروحته المعنونة «دساتير من ورق» (ترجمة الدكتور محمد نور فرحات- دار سطور 2010)، فلقد حاول من خلال دراسته للحركة الدستورية العربية، منذ أن عرفت كتابة الدساتير من مصر، تتبع الإشكاليات التى وقعت فيها الكتابة الدستورية. وكيف أن مبدأ الدستورية والذى يعنى لديه تقييد سلطة الحاكم ودعم الديمقراطية كقيمة وممارسة على أوسع نطاق، كان دائماً محاصراً بسبب سطوة الحكام وتعزيز سلطتهم السياسية، فباتت الدساتير نصوصاً ورقية غير فاعلة إلا فيما ندر.

فعلى مدى القرن ونصف القرن الماضيين، غدا العالم العربى ثريا بالدساتير- والتى يعرفها براون بالوثائق التى تنص على الإطار القانونى للحكم- دونما أن ينعم بنفس الثراء فى تطبيق مبدأ الدستورية. فلقد أخذت هذه الوثائق «تتكاثر»، لكنها لم تعمل على تقييد سلطة الحاكم سوى فى حالات قليلة وفى أزمان قصيرة.

ويبدو لى أن هذه الحالات/ الأزمان هى التى كانت فيها حركة نضالية شعبية تعبر عن تطور مجتمعى حقيقى. وبقدر ما يكون هناك تطور مجتمعى وتبلور طبقى بقدر ما يتحرك المواطنون من أجل حقوقهم ومن ثم كتابة نصوص دستورية تعبر عن الحركة النضالية وتضع محددات لحركة المجتمع المستقبلية وفق ما تم إنجازه فى الواقع. وهو يختلف عن وضع الدساتير بشكل فوقى أو نخبوى لصالح عشيرة أو أسرة حاكمة… إلخ.

(2)

حاولنا خلال هذه السلسلة من المقالات أن نؤكد أن هناك فرقاً بين الدستور «الحركة» والدستور «النص»، أو بين الدستور الناتج عن حركة وطنية ذات إنجاز مجتمعى من حيث الانتقال من مرحلة اجتماعية إلى أخرى أفضل- من سطوة ملاك كبار الأرض بكل ما تحمل من علاقات مجتمعية وما يترتب عليها، إلى مرحلة إنتاجية صناعية بما تحمل من سمات مغايرة- وبين دستور يعبر عن «ولى الأمر/أو فئة غالبة» مما يعزز سلطة حاكم بعينه أو فئة سياسية بعينها على حساب المواطنين.

(3)

فى الحالة الأولى: دساتير الحركة الوطنية، تكون الدساتير حية ونافذة، لأن من ناضلوا من أجل وضع أفضل سيدافعون عن إنجازهم الوطنى، ولن تكون هناك فجوة بين النصوص والواقع. أما الحالة الثانية: أى دساتير ولى الأمر/ الفئة الغالبة، فستكون دساتير من ورق، أو على أحسن تقدير معبرة عن طغمة صغيرة هى القريبة من ولى الأمر (الحاشية) أو ما يعرف بديمقراطية/ دستورية القلة (الفئة الغالبة).

فى الحالة الأولى تجد النصوص الدستورية صادقة وعاكسة للواقع وتوازنات القوة بشكل عادل، كذلك موحدة بين أحلام المواطنين لوطنهم. بينما الدساتير الورقية هى «وثائق رياء» حيث يتم تجاهل نصوصها (التى ربما تكون مكتوبة على أحسن ما يرام) فتأتى داعمة للسلطوية (يمكن مراجعة القراءة النقدية التى يقدمها براون لدستور 1971 فى هذا المقام).

وليس غريبا أن الدساتير الورقية تنحو نحو وضع القوانين المفسرة والمفصلة للمبادئ الدستورية لاحقاً، والحجة أنه لا داعى لوضع دستور طويل. وتكون النتيجة أننا نجد أن المبادئ الدستورية تكتب على أحسن ما يكون، ثم نجد القانون المنظم ينص على قيود تفسد المبدأ الدستورى وتهدمه فى الجوهر.

من هنا كان حرص بعض الدول، لضمان التطور الديمقراطى، أن تُفصِّل كل شىء فى الدستور، لذا جاءت دساتير هذه الدول طويلة مثل البرازيل والهند. لقد تحقق فى هذين البلدين مبدأ الدستورية وتكريس الأخلاق الدستورية لدى المواطنين، فكانت دساتيرهم حية وفاعلة. فبات المواطن يدين بما يصفه هابرماس بـ«الولائية الدستورية» حيث الولاء الأول للمواطن هو للدستور وليس للقبيلة أو للعزوة أو للعشيرة أو للحاكم الفرد/ أفندينا/ ولى النعم.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern