قانون الحرية الدينية وجهات نظر

القانون الأمريكي للحرية الدينية
قانون عابر للحدود
في خدمة التوسع الإمبراطوري

سمير مرقس

(أ)

الإمبراطورية الأمريكية والتوسع تحت مظلة الثروة والدين والقوة

بقيت الولايات المتحدة الأمريكية فترة زمنية ليست طويلة، بداية من الحرب الأهلية إلى منتصف الثلث الأول من القرن التاسع عشر، تعمل على بناء قوتها الذاتية من خلال التوسع داخل أراضيها. وما أن استكملت الدولة – القارة الجديدة السيطرة على كامل أراضيها بدأت في التوسع خارج نطاقها مدركة أن هذه القوة لابد وأن تمتد خارجها الذي بدأ في اتجاه المحيطين الهادي والأطلسي ثم إلى ما هو أبعد من ذلك. لقد أغرت القوة الأمريكية المتنامية على اتباع ما يمكن تسميته “النهج التوسعي” “من الداخل إلى الخارج” وهو يختلف عن النهج التوسعي الأوروبي الذي كان يتم في إطار التوازن الدولي للقوى الأوروبية متكافئة القوة في ضوء صلح وستفاليا الموقع عام 1648، بينما الخبرة الأمريكية للتوسع لم تكن في إطار توازن القوى الدولي كما أنها انطلقت من الداخل الأمريكي.
لقد ساهمت طبيعة تأسيس الدولة – القارة الجديدة في دعم القارة التوسعية، فبالعودة إلى الآباء المؤسسين لهذه الدولة – القارة الجديدة نجدهم وقد وفدوا إلى الأرض الجديدة يحملون معهم قيم المذهب البيوريتاني (أحد المذاهب البروتستانتية) ووجدوا الفرصة سانحة لتطبيق قيمهم لذا لا يمكن استبعاد تأثير القيم الدينية البيوريتانية التطهرية في تأسيس القارة الجديدة والتي عرفت بحسب جان بيار فيشو “ميلاد المجتمع والدين في آن واحد”. ومثلما شهدت أمريكا عقيدة متطورة نجدها تتطور اقتصادياً واجتماعياً في اتجاه مغاير للتطور الأوربي، أخذاً في الاعتبار تلازم هذا التطور مع العقيدة، فلقد ولدت أمريكا متحررة من تقاليد الأرستقراطية التي سادت في العصور الوسطى. كما أن توفر الأرض في أمريكا وندرة اليد العاملة قد أتاحا للمستوطنين الجدد تحقيق قفزات اقتصادية متميزة، فالأجير يمكن أن يكون رجلاً كامل الحرية، ومن رجل كامل الحرية إلى مالك للأرض دون قيود، ومن ثم وبعد وقت قصير إلى مضارب ثري في أراضي الغرب الأقصى. إن الكفاح من أجل الثروة والنجاح، والذي فرضته حالة العالم الجديد قد التقى بالأخلاق البروتستانتية بحسب ماكس فيبر حيث “الثراء علامة للاصطفاء الإلهي”.
هكذا أفرزت التجربة الأمريكية القائمة على التوسع ضرورة الاهتمام بالثروة من جانب وبالقوة لحمايتها من جانب آخر، بيد أن هذه المنظومة تحتاج إلى غطاء أيديولوجي يبررها، فكان الاهتمام بالقيم الأمريكية: الدينية والثقافية، وهنا اكتملت ثلاثية القوة والثروة والقيم (الدينية والثقافية) باعتبارها العناصر الأساسية للتوسع الأمريكي والذي يعني في المقام الأول بتحقيق المصلحة الأمريكية العليا. وهذه العناصر الأساسية للتوسع الأمريكي والذي يعني في المقام الأول بتحقيق المصلحة الأمريكية العليا. وهذه العناصر الثلاثة للتوسع إنما تعكس تحالف رجال السياسة ورجال المال ورجال الدين في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي هذا المقام يقول الكابتن ألفريد ماهان في كتاب The Interest of America in Sea Power ؛
“على الولايات المتحدة أن تنشر نفوذها التجاري في أنحاء الأرض كلها…
إن مبدأ مونرو يوجب على الولايات المتحدة رفض أي نفوذ آخر…
الأمر محكوم بالمصلحة القومية وحدها، ولا يبدو أن له حدوداً…
فعلى الولايات المتحدة الارتقاء إلى مصاف القوى العظمى…
وتكمن المصلحة القومية من حيث جوهرها المعلن، في ربطها بهيمنة أمريكية ممتدة… لابد للبلد أن يكون جاهزاً للحرب…
فالولايات المتحدة، ممثلة للمسيح”…، “ملك العدالة”، لا يمكنها الاقتصاد عن ضرورة إنشاء قوة بحرية ذاتية، فعالة، يمكنها استعمالها أينما تدخلت”.
إن قراءة كثير من النصوص خلال هذه الفترة الواردة على لسان “رجال الدين البروتستانت” أو “رجال المال” تعكس الرغبة الدفينة للهيمنة الاقتصادية والعسكرية والدينية على العالم، فالمشروع الأمريكي، ومنذ وقت مبكر، أصبح جذب كل أنام الكوكب إلى مجتمع مثالي، تشكل على الأرض الأمريكية، وتحقيقه أولاً بالتسامح، ثم بالقوة عند الاقتضاء، وأخيراً وهو الأفضل بالتجارة. إن مهمة أمريكا هي أن تدل بقية العالم على طريق التوبة والتطهير الكبير والإصلاح الاجتماعي وتراكم الثروة بشتى الطرق، إنها عودة لثلاثية التاجر والمبشر والعسكري بحسب سيرج لاتوش.
وإذا كان من “مفهوم ممارسة القوة لتحقيق المصلحة بشكل عام أو الدمج في منظومات اقتصادية ولو قسراً، فإنه لا يمكن استيعاب فرض القيم من خلال التجارة كذلك بالقوة. فلقد صكت التجربة الأمريكية نموذجاً لفرض نموذجها القيمي: الديني والثقافي في حماية الثروة والقوة وذلك لإعمال المصلحة الأمريكية العليا وعليه يفقد النموذج القيمي بهذا المعنى تجرده ويصبح خالياً من المثالية التي تبغي الخير للآخرين. بيد أن هذا الأمر يصبح هو السلوك الأمريكي المتعارف عليه في علاقاته الدولية على مدى القرن العشرين وإلى الآن،وتجدر الإشارة هنا إلى مبدأ هام أقره مجلس الشيوخ الأمريكي عند رؤيته لدور أمريكا الكوني في مطلع القرن العشرين يقول فيه:
“على التجارة العالمية أن تكون تجارتنا وستكون كذلك. فنحن سنملأ البحار بأساطيلنا التجارية، مستوطنات كبيرة، تحكم نفسها بنفسها، وترفع علمنا وتعمل لأجلنا. أما مؤسساتنا فسوف تتابع علمنا على أجنحة تجارتنا.
وسوف يبلغ القانون الأمريكي، والنظام الأمريكي، والحضارة والعلم الأمريكيان، الشواطئ الدامية والمعزولة حتى الآن لكنها ستسطع قريباً، بإذن الله”.
يعكس ما سبق نظرة للذات “رسالية” تجاه العالم الذي لم يزل يعيش في الظلمة بتبني قيمها وبالتجارة طواعية أو بالقوة إن لزم الأمر. إن الرسالة الأمريكية هي مصلحتها القومية، وتحقيق المصلحة القومية إنما يحقق الرسالة الأمريكية: بالقيم الدينية والثقافية والقوة والثروة. إنه سلوك إمبراطوري مبكر حيث الإمبراطوريات بحسب كسينجر لا تهتم بأن تدير شئونها في إطار نظام دولي، فهي تطمع إلى أن تكون هي ذاتها النظام الدولي.
لقد أدى ما سبق إلى أمرين فيما يتعلق بعلاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالعالم بحسب فريد زكريا في كتابه من الثروة إلى القوة – From Wealth To Power وذلك كما يلي:
توسيع مفهوم “التوسع” ليتناسب مع الدور الأمريكي المتنامي ليتجاوز المعنى المباشر له ألا وهو الاستيلاء على الأرض والذي يتضمن الإمبريالية بالتأكيد ليمتد كي يشمل كل شيء، بداية من الاهتمام بشئون الدول الأخرى إلى إرسال المفوضيات الديبلوماسية إلى تتابع المصالح الأمريكية وفرض الحماية والقواعد العسكرية ومناطق النفوذ… كذلك التشريعات القانونية المطلوبة.
إن السياسة الخارجية لا تصنعها الأمة ككل، وإنما تصنعها حكومتها. وبالتالي فإن ما يهم هو قوة الدولة، إنها نوع من الواقعية المتمركزة في الدولة.
فكلما مال صانعو القرار على المستوى المركزي، وهم في الحالة الأمريكية الرئيس وأقرب مستشاريه إلى ضرورة توسيع النفوذ الأمريكي في الخارج،فإن ذلك يعني زيادة قوة الدولة.
ويدلل فريد زكريا على المقولة الأخيرة بأن الثمانينات والتسعينات من القرن التاسع عشر قد سجلت بداية الدولة الأمريكية الحديثة، التي برزت بالدرجة الأولى لتتعامل مع الضغوط الداخلية المتولدة عن التصنيع. وكانت متطلبات الاقتصاد القومي المتنامي وانهيار سعي الكونجرس للسيطرة قد أعطت الحكومة الاتحادية بنية مركزية أكبر، وأقل خضوعاً للسياسة بتجاذباتها الحزبية، وأكثر عقلانية. وبرز الرئيس، بوصفه المسئول الحكومي الوحيد المنتخب على المستوى القومي، متمتعاً بسلطات أقوى. وجاء هذا التحول في هيكل الدولة ليتكامل مع النمو المتواصل للقوة القومية، وبحلول منتصف التسعينات من القرن التاسع عشر أصبحت السلطة التنفيذية قادرة على تخطي الكونجرس أو إكراهه على توسيع المصالح الأمريكية في الخارج. ويشار هنا إلى دور جماعات المصالح في الضغط في اتجاه التأثير على الإدارة الأمريكية لكسب مكاسب داخلية وفي نفس الوقت الضغط في اتجاه التوسع الخارجي.
لقد نشأت منذ وقت مبكر علاقة ارتباطية بين المصلحة وضرورة التوسع من خلال استثمار القوة وتعظيم الثروة تحت مظلة القيم، وكان للدولة الدور الرئيسي في دعم وتفعيل هذه العلاقة بالتنسيق مع جماعات المصالح الخاصة وبحسب روبرت جيلبين في كتابه War & Change in World Politics .
على أنه يمكن القول إجمالاً أن جوهر السياسة الخارجية الأمريكية على مر العهود الرئاسية المتعاقبة سوف يجد أن هناك فكرة محورية تحكم الأمر كله ألا وهي:
»إن قيم أمريكا ومؤسساتها وآلياتها لابد وأن تمتد إلى العالم كله« قد تختلف الوسائل والأساليب إلا أن هناك التفاف حول هذا الهدف فالمنطق “الروزفلتي” الذي نادى بسياسة العصا الغليظة Big Stick Policy لا يختلف كثيراً مع المنطق “الويلسوني” الذي اتخذت سياسته اتجاهاً أخلاقياً بيد أن الاختلاف بين المنطقين لا يعدو اختلافاً ظاهرياً فالمهم أن أمريكا لابد وأن تمتد وتتوسع وقيمها لابد وأن تسود بالقوة بحسب روزفلت وبتقديم النموذج بحسب ويلسون وأن لا يمنع ذلك في ممارسة القوة.
وهكذا أصبح الاهتمام الأمريكي بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات المدنية والدينية يعتني بنشرها في معية القوة والثروة، أو بلغة أخرى لا يمكن فهم هذا الاهتمام منفصلاً عن التوسع الأمريكي وتحقيق الهيمنة بأبعادها العسكرية والاقتصادية والقيمية: ثقافياً ودينياً. وأتصور أن نعوم تشوسكي قد استطاع كشف أبعاد الاهتمام الأمريكي بالديمقراطية وحقوق الإنسان في كتابه “إعاقة الديمقراطية” والتي أوجزها في عبارة بليغة نصها:
»أنت حر أن تفعل ما تشاء مادمت كنت تفعل ما نشاؤه نحن«
وقد كان الاهتمام الأمريكي بالديمقراطية وحقوق الإنسان مواكباً للحرب الباردة خلال السبعينات والثمانينات ولكن مع انتهاء هذه الحرب وتفكك الاتحاد السوفيتي وصعود اليمين الديني المسيحي الأمريكي New Christian Right اهتمت السياسة الخارجية الأمريكية بالحريات الدينية مواصلة توظيف هذا الموضوع في تبرير توسعها وإمكانية التدخل متى وكيف شاءت، وهو ما سنتناوله في القسم التالي.

(ب)

اليمين الديني القاعدي واليمين السياسي النخبوي

في أكتوبر من العام 1998 أصدر الكونجرس الأمريكي بمجلسيه (النواب والشيوخ)، ما عرف بقانون الحرية الدينية في العالم International Religious Freedom Law وهو القانون الذي بموجبه فوضت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها لرصد ومتابعة أوضاع الحرية الدينية في العالم، وتخويل الإدارة الأمريكية باتخاذ الإجراءات والعقوبات التي تراها مناسبة. لقد تعدى هذا القانون الحدود الأمريكية ليصبح بحق “قانون كوكبي” “عابر للحدود”، إن جاز التعبير. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو لماذا فوضت الولايات المتحدة نفسها لتحمل هذه المسؤولية؟ وهو سؤال يفتح الباب للعديد من الأسئلة منها:

ما هو الدافع لإصدار القانون؟

وما هي الجماعات التي ضغطت لإصداره؟

وما الذي ترتب على إصداره منذ عام 1998 وإلى الآن؟

بداية لا يمكن فهم إصدار هذا القانون بعيداً عن السياق التاريخي الذي عرضناه في القسم الأول من هذه الدراسة. أي أن الاهتمام بالحريات الدينية ما هو إلا حلقة من حلقات متتالية من ضمنها الاهتمام بحقوق الإنسان وبالأقليات وبالديمقراطية مما يتيح التدخل في شئون العالم ويحقق عملياً “التوسع”. الجديد في الأمر هو صعود اليمين الديني المسيحي وتحركه كجماعة ضغط تتيح له الامتداد العابر للحدود ويعني في نفس الوقت امتداد سياسي واقتصادي أمريكي وهي امتداد وتكرار للعلاقة بين جماعات المصالح والدولة التي شرحها فريد زكريا سالفاً، وعليه لم يكن غريباً أن يلتقي حول هذا القانون أغلبية من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء عند التصويت عليه وهو ما يؤكد أن التشريعات التي تصب في اتجاه “التوسع” كما أوضحنا سلفاً لا تجد معارضة كبيرة بحسب التقليد الأمريكي، وبغض النظر عن انتماءات الإدارة الأمريكية حيث صدر القانون في ظل إدارة كلينتون التي لم تعرف عنها أية توجهات دينية، ولكنها استفادت من ضغط اليمين الديني. وجاءت إدارة بوش الابن لتكون أول إدارة أمريكية يصل فيها اليمين الديني ليشارك في الحكم متحالفاً مع اليمين السياسي أو ما اصطلح على تسميته بالمحافظين الجدد. ويأخذ بوش على نفسه وعداً أن يفعل قانون الحرية الدينية.
وقبل إلقاء الضوء على مسيرة قانون الحرية الدينية وأهم ما جاء فيه وما تحتويه تقاريره وبخاصة الأخيرة الصادرة في مايو الماضي، ربما يكون من المفيد الاقتراب بعض الشيء من مسيرة اليمين ببعديه الديني والسياسي وذلك كما يلي:

أولاً: اليمين الديني

أ. الجذور:

خرج اليمين الديني كحركة سياسية دينية من عباءة الأصولية البروتستانتية التي ظهرت مع بداية القرن ، ويشتركان معاً في الأساس النظري من حيث النظرة إلى العالم والمجتمع والإنسان . فالأصولية البروتستانتية التي تشكلت مع بدايات القرن العشرين من خلال موسوعة “الأصول” ترفض كل تسوية أو حل وسط مع الحداثة ، حيث نظروا إلى نتاج الحداثة كونه فساداً لوث الوطن، بل وامتدوا بهذا التصور إلى السياسة الخارجية الأمريكية أبان الحرب العالمية الأولى – على سبيل المثال – حيث اعتبرت الحرب صراعاً بين العقلانية الألمانية والمسيحية الأمريكية .
ويأتي اليمين المسيحي ليجعل القيم الأصولية موضع التنفيذ، فطال ” التسييس politicization” هذا الاتجاه. وقد كان لهذا الاتجاه القدرة على حصار الاتجاهات الليبرالية أو التي عرفت باسم ” المسيحية الجديدةNew Christianity ” والتي حاولت أن تواكب النتائج التي ترتبت على التقدم المطرد في مجال التصنيع والتكنولوجيا ومواجهة مشاكل التحديث وما ترتب عليها من نتائج اجتماعية وثقافية، والاستجابة للمتغيرات، والسير بكنائسهم في مسار ليبرالي.ووضع على كل مؤمن نشر الإيمان باعتباره في معركة مع الأديان والثقافات الأخرى ( بما فيها مسيحية الآخرين المسيحية الشرقية ).

ب.المأسسة:

يمكن اعتبار عام 1942 نقطة تحول مهمة في تاريخ هذا الاتجاه حيث تأسست ” الرابطة الوطنية للإنجيليين” “National Association of Evangelicals“، وتعد هذه الرابطة الكيان التنظيمي الذي يضم تحت مظلته آلاف التجمعات الأصولية في أمريكا ، لذا فإن كثيرا من الباحثين يعدون هذا الكيان ” نقلة نوعية ” في تاريخ هذا الاتجاه ، وذلك لسببين هما :
الأول : انتقال التحرك الأصولي البروتستانتي من الحركة إلى المؤسسة .
الثاني: الانتقال من الحركة ذات الطبيعة الدينية الأخلاقية إلى المؤسسية التي يمكن أن تلعب دوراً سياسياً وذلك من القاعدة إلى القمة .
وهما ما أتاحا ما يلي:
1). القدرة على التأثير والضغط خصوصاً على السلطتين التشريعية والتنفيذية بفعل الانتشار القاعدي الممأسس.
2). الانخراط في شبكة من العلاقات مع الاقتصاديين والسياسيين المؤثرين، وقد ظهرت نتائج ذلك جلياً منذ السبعينات .
3). إتاحة الفرصة لتكوين كيانات مماثلة لاحقاً .
ويوضح الرسم التالي مسيرة الأصولية البروتستانتية في أمريكا وحتى تكون الرابطة ، والتي تعكس في رأينا ميلاد اليمين الديني وما بعد ذلك، وذلك كما هو مبين في شكل رقم ( 1 ).

مسيرة الأصولية البروتستانتية في أمريكا

  1620-1942 1942 1942-
حركة – حركات بروتستانتية تشكيل الوجدان الأمريكي، (على أسس عبرانية)    
  مواجهة التحديث والمد العلماني
علاقة متأرجحة مع الدولة
من الانتشار الحركي إلى المؤسسية
   
الرابطة الوطنية للإنجيليين بدء تبلور اليمين الديني   كيان مؤسسي جمع الحركة – الحركات البروتستانتية تحت مظلة واحدة المشاركةفي الحكم
      شبكة علاقات سياسية واقتصادية للتأثير على المؤسسات الأخرى.
إعادة تنصير أمريكا وانتشار مؤسسي قاعدي لليمين الديني     دور أكبر في العلاقة مع الدولة.
الضغط على السلطتين التشريعية والتنفيذية.

شكل رقم (1)

ج. الممارسة السياسية

لقد حملت هذه الكيانات أفكار اليمين الديني التي تتضمن أفكاراً متشددة من الناحيتين الثقافية والاجتماعية كذلك أكثر حرفية لنصوص الكتاب المقدس، بالإضافة إلى أن رؤيتهم السياسية تعتمد كثيراً على النص الديني ، وهم يؤيدون برامج الرخاء الاجتماعي لصالح الأغنياء مع دعم البرامج الخيرية للفقراء . وهنا ميز البعض بين هذا الاتجاه وبين التيار الرئيسي للبروتستانت والذي يضم الكناس الرئيسية : المشيخة واللوثرية ، وغيرهما. بيد أن لليمين الديني الأهمية كونه يتحرك من خلال كياناته المؤسسية في المجال العام مستخدماً الأساليب والأدوات المتعارف عليها في سياق الحركة الاجتماعية – السياسية وسلكوا سلوك جماعات المصالح – الضغط، من أجل قضايا الداخل الأمريكي والسياسة الخارجية الأمريكية. وقد اعتمدوا في تحركهم على أربعة مستويات من التحرك ، الذي بات سياسياً في المقام الأول ، وذلك كما يلي :
1. تبنى موقف دفاعي Defensive لحماية قيمهم و أفكارهم الأساسية من أية تأثيرات غير مرغوب فيها.
2. التحول إلى تبنى موقف هجوميoffensive يهدف إلى إحداث تجدد لاهوتي لنمط الحياة الأمريكية.
3. ويتمثل الموقف الهجومي في شن حملة صليبية Crusade لإعادة فرض ما يسمى بالأخلاق الكتابية ( نسبة للكتاب المقدس ) Biblical Morality، على الوطن والعالم.
4. تحقيق ما سبق من خلال البرامج السياسية للأحزاب .

و بالنسبة للمستوى الأخير من التحرك ، نجد بات روبرتسون يجتهد في هذا المقام حيث يؤكد على ضرورة أن يكون للمسيحيين صوت في الحكومة
“ Give Christians a voice in government “
ومن المعروف أن بات روبرتسون هو الذي أسس الائتلاف المسيحي
Christian Coalition
إن هذه النوعية من التحالفات ومن قبلها :
منظمة الأغلبية الأخلاقية Moral Majority
مجلس بحوث الأسرة Family Research Council

هي التي عملت بالسياسة واستطاعت منذ عام 1980 أن تلعب دوراً أساسياً ومؤثراً في الحياة السياسية الأمريكية من خلال التحرك القاعدي ثم خلق شبكة المصالح بشتى الوسائل المتعارف عليها و بناء قاعدة تصويتية انتخابية مؤثرة وأخيراً المشاركة بدرجة أو أخرى في الإدارة السياسية للبلاد .

د. اليمين الديني : الاقتراب والمشاركة من / في السلطة

فمنذ العام 1980 بدأ اليمين الديني صعوده اللافت أثناء حملة ريجان الانتخابية تحت شعار الولادة مرة أخرى كمسيحيين The Born Again Christians ، حيث يقسم أنصار هذا الاتجاه العالم إلى معسكرين :
معسكر الخير حيث يضم ” المسيحيون ” 
ومعسكر الشر ويضم أنصار الديانات الأخرى بما فيهم المسيحيون الذين لا يؤمنون بقيم اليمين الديني ( المسيحية الشرقية على سبيل المثال )
ويلاحظ نظرتهم إلى الآخرين ، فهم بالنسبة إلى الآخرين : المختارون – المفضلون – الموعودون .

وقد استمر هذا التأثير في التزايد في العشرين عاماً الماضية وخاصة على الحزبين الرئيسيين في أمريكا : الجمهوري والديمقراطي دون تمييز . فكارتر الديمقراطي وريجان الجمهوري تبنيا مقولات اليمين الديني ، بل أن المستشارين المقربين لهما كانوا من رموز اليمين الديني مثل جيرى فولويل . وتشير دراسة حديثة عن الدين والسياسة في الولايات المتحدة لمايكل كوربت وجوليا كوربت ، عن اختيارات التصويت الرئاسي في عامي 1988 و1992 حيث استطاعت حركة اليمين الديني أن تؤسس لها وجوداً يجمع بين اليمين المحافظ سياسياً واليمين الديني أيدلوجيا حيث توحدت الرؤى والتوجهات والممارسات التي أمتزج فيها السياسي بالديني ، بهدف تغيير المجتمع الأمريكي جذرياً . الأمر الذي دفع أحد الباحثين بأن يصف اليمين الديني ” بأكبر الحركات الاجتماعية التي شهدتها أمريكا في الربع الأخير من القرن العشرين ” .
وفى أثناء فترتي حكم كلينتون حاول أن يكون متوازناً مع تأثيرات اليمين الديني وكان لديه هامش من المناورة ، بيد أن اليمين الديني كان قد نجح في أن يصنع لنفسه شبكة مصالح تمكنه من كسب العديد من الجولات مثل : إصدار قانون الحرية الدينية، ثم المشاركة في الحكم بوصول الرئيس بوش إلى الرئاسة.

#### ثانياً: اليمين السياسي – اليمين المحافظ الجديد:

ظهر هذا الاتجاه ظهوره اللافت وقت إدارة ريجان، والذي استطاع بتبنيه رؤى متشددة تجاه كثير من القضايا الداخلية والخارجية أن يلقى دعماً كبيراً من كثير من السياسيين والمثقفين الذين يميلون إلى المحافظة والتشدد وخاصة فيما يتعلق بما يلي:
1. التقاليد الاجتماعية ورفض كل ما هو جديد في العلاقات الاجتماعية.
2. الإيمان المطلق بالحرية الاقتصادية في صورتها الرأسمالية النقية والميل إلى تبني سياسات ضريبية تمنح إعفاءات للأثرياء.
3. الإيمان بالقوة العسكرية خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.
وقد نجحوا إلى حد كبير في ترجمة رؤاهم إلى سياسات وممارسات، واستطاعوا أن يستعيدوا أماكنهم في الإدارة الحالية خاصة مع اعتبار مرحلة رئاسة كلينتون فترة انقطاع من مشروعهم الذي وجد طريقة إلى التنفيذ وقت ريجان وبوش الابن.
إلا أن المؤرخين يعودون بانطلاقة اليمين المحافظ الجديد إلى السناتور جوزف مكارني والذي كان وراء الحملة ضد الشيوعية في أمريكا بل إلى كل حركة فكرية مغايرة لتصوراته أو أي إبداع يقوم بنقد النظام الأمريكي.
كذلك هناك ما يؤكد على دور الحملة التي أطلقها السناتور باري جولد ووتر لتسمية رئيس جمهوري عام 1964 حيث قام بتأسيس كتلة قاعدية في داخل الحزب الجمهوري لدعم سياسات محافظة جمهورية والتي يؤرخ لها الباحثون الأمريكيون بأنها بداية التحول لليمين في أمريكا “Right Turn”. ثم مع منتصف السبعينيات بتأسيس مؤسسات بحثية والعديد من الهيئات التي تصب في اتجاه الدعوى للاتجاه اليميني المحافظ وأصبحت قادرة على تشكيل الرأي العام وتبعية الناس خاصة من الطبقات الوسطى الدنيا ذات التوجه المسيحي اليميني.
ومن هذه الهيئات والمؤسسات:
Heritage Foundation
American Legislative Exchange Council
Committee for the survival of a free congress (CSFC)
Conservative caucus (CC)
National conservative political action
Conservative against liberal legislation (CALL)
Conservative digest
Coalition for peace through strength
Washington legal foundation
National right to work committee

لقد استطاع الحزب الجمهوري أن يكون ممثل لهذين الاتجاهين وأن يساند كل منهما الآخر فعلى المستوى النخبوي نجد اليمين المحافظ برؤاه الفكرية وتوجهاته الاقتصادية يعتمد على اليمين المسيحي قاعدياً حيث ينتشر في الطبقات الوسطى الدنيا. وقد أخذ اليمين المسيحي يمارس دوره كجماعة ضغط وقت الرئيس كلينتون الديمقراطي واستطاع أن يستصدر قانون الحرية الدينية في العالم. وفي انتخابات الرئيس بوش الابن كان هو العامل الحاسم في نجاح بوش بخاصة في الولايات الجنوبية والحدودية.
يلخص أيرفينج كريستول Irving Kristol أحد أهم رموز هذا الاتجاه المحاور الرئيسية لمنظومته الفكرية في الآتي: “الدين والقومية والنمو الاقتصادي ويعتبر أن الوضع الإمبراطوري للولايات المتحدة فرضته عليها الظروف الدولية والتطورات التاريخية، واستمر قائماً على الرغم مما تعرضت له السياسة الأمريكية من فشل في فيتنام أو في غيرها وسوف يستمر كذلك في المستقبل لأنه قدرها”.
وعلى صعيد آخر يربط كريستول القوة بمسؤولية ترشيد استخدامها ويرفض توظيفها في غير خدمة المصالح الوطنية الأمريكية. وذلك أن مفهوم الأمة والشعور القومي يتكرر في كتابات كريستول بغزارة، ويصل مفهوم Vibrantly nationalism، والترجمة العربية الأقرب له هي الروح ” القومية المتدفقة”. كذلك يعتبر كريستول أن القيم الأمريكية لعبت دوراً تبشيرياً، قلل من الآثار السلبية لعزلة الولايات المتحدة عن التطورات الدولية في بعض مراحل تطورها التاريخي، ويذهب إلى أن عزلة سياسية تامة بهذا المعنى لم تعرفها بلاده قط. بقيت الإشارة إلى أن كريستول ينحدر من أسرة يهودية.

يمثل هذا التيار وينتمي إليه بعض أهم رموز وزارة الدفاع الأمريكية، من أمثال دونالد رامسفيلد وزير الدفاع ودوجلاس فاف مساعده، وبول ولفوفيتز نائبه، وريتشارد بيرل رئيس مجلي سياسة الدفاع Defence Policy Council، والأخيران من غلاة اليهود المتعصبين لإسرائيل ويلعبان دوراً رئيسياً في توجيه السياسة الأمريكية خصوصاً بعد تزايد أهمية وزارة الدفاع في صنع القرار الخارجي منذ أحداث 11 سبتمبر بالإضافة إلى ديك تشيني وآخرون.

### ثالثاً: الإدارة الأمريكية الحالية: حكم اليمين ” السياسي – الديني “.

منذ أن تسلمت الإدارة الأمريكية الحالية مسئوليتها في يناير 2001 , مارست سلوكاً متشدداً تجلى في مجموعة من السياسات تعكس في المجمل رؤية “محافظة” تجاه القضايا والملفات التي تتعامل معها الولايات المتحدة الأمريكية داخلياً وخارجياً.
حيث نجد توحداً في المصالح بين اليمين السياسي و اليمين الديني ، فكلاهما تجمعهما رؤية واحدة لأمريكا وللعالم ، فأمريكا هي ” وطن استثنائي تاريخي ” ، لابد من أن يسود ويهيمن ، ولا بأس من ممارسة القوة في سبيل ذلك. ويأتي اليمين الديني ليدعم اليمين السياسي أيديولوجيا وذلك بهدف :
” ضرورة تطهير الثقافة السائدة ، وشن الحرب المقدسة ضد (الشيطان ) القابع في قلب الوطن أو الذي قد يظهر في أي بقعة من بقاع العالم معوقاً امتداد (أمريكا الرسالة ) التي تعبر عن ( الإرادة الإلهية ) Divine Will .
في ضوء ما سبق نجد الإدارة الأمريكية الجديدة وقد سارت في اتجاهين ، منذ تسلمت مهامها ، فهاهي على المستوى الداخلي تنحو إلى تشريعات وسياسات يمينية متطرفة تخدم مصالح الفئات الأكثر غنى في أمريكا.
أما الشأن الخارجي فإننا نجد تحركاً متعدداً على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية تصب في اتجاه تحقيق الهيمنة hegemony من خلال الأحلاف الجغرافية وبذلك تتحقق الهيمنة العسكرية، ومن خلال البنك الدولي وصندوق النقد وذلك يحقق الهيمنة الاقتصادية، ومن خلال دعم وحماية حركات التبشير في أمريكا اللاتينية وآسيا وأوروبا الشرقية السابقة والشرق الأوسط فتتحقق الهيمنة الدينية بالإضافة إلى الغزو الثقافي . أنها عودة إلى ثلاثية : 
“العسكري ” و” التاجر ” و “المبشر ” التي رافقت الحركات الكشفية الأولى وان أخذت صوراً معاصرة تتناسب والتوسع العولمي المعاصر .

ويعبر الشكل التالي عن ما سبق، الأمر الذي انعكس على السلوك في المجالات الاقتصادية والعسكرية والقيمية، كذلك أتاح لقانون الحرية الدينية أن يفعل بحسب وعد الرئيس بوش أمام اللجنة اليهودية الأمريكية في مايو من عام 2001، وأن يكون للجنة الحرية الدينية دورها في المشاركة في السياسة الخارجية الأمريكية من جانب، وأن تكون التقارير الدورية مع الوقت أكثر وضوحاً وصراحة،وهو ما سنعرضه في القسم الثالث حيث تقدم المسيرة التاريخية للقانون والفاعلون الرئيسيون لإصداره ثم تداعيات هذا القانون على أرض الواقع وأخيراً ما جاء في تقرير اللجنة الأخير.

التوسع الأمريكي في القرن 21



شكل رقم (2)

(جـ)قانون الحرية الدينية.. قانون حرية التبشير

لقد صدر القانون بتضافر جهود اللوبي اليهودي واليمين الديني في أمريكي وذلك بالأساس لتمكين المبشرين من ممارسة دورهم التبشيري في مناطق مثل الصين وروسيا وبعض الدول الإسلامية، لقد بدأت الحملة بمقال لمحام يهودي اسمه مايكل هوروفيتز بعنوان التعصب الجديد بين الصليب والهلال.
New Intolerance Between Crescent and Cross
وذلك في جريدة وول ستريت جورنال بتاريخ 5 يوليو 1995 حيث ذكر الآتي:
“… أن الاضطهاد المتنامي والمتزايد للمبشرين (في بعض البلاد) قد صار مخيفاً،..”
وحث اليهود في أمريكا على ألا:
“.. يصمتوا على ما يحدث لهؤلاء المبشرين”،
وأنه لابد من مواجهة ما وصفه:
“.. بالاضطهاد المماثل الذي جرى لليهود على يد أدولف هتلر”
ولم يكتف هوروفيتز بهذا المقال، وإنما بدأ يثير جهات عديدة خاصة المؤسسات والكيانات الأصولية البروتستانتية حيث أرسل رسالة لمائة وخمسين من قيادات ومجالس إدارات هذه المؤسسات والكيانات. ولعب مركز الحرية Freedom House دوراً هاماً عن طريق إحدى قياداته “نيناشيا” (والتي صارت عضوا بلجنة الحرية الدينية التي نص على تشكيلها القانون فينا بعد) حيث بدأت تنقد تقارير حقوق الإنسان التي تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية سنوياً حيث أشارت إلى مشكلتين هما:
(1). أن التقارير لا تميز بين الطوائف المسيحية في نطاق الدولة الواحدة، فتقوم بتعميم أوضاع الطائفة الغالبة أو السائدة والتي تتمتع بالحرية في الأغلب على الطوائف الأصغر.
(2). إهمال الحديث عن الإنجيليين البروتستانت (تحديداً) في هذه الدول.
أثمرت الحملة حيث بدأ الأصوليون البروتستانت المنتظمين في تيار اليمين المسيحي الجديد تحركهم وذلك من خلال البيان الذي أطلقته الرابطة الوطنية للإنجيليين بعنوان: National Association of Evangelicals بيان لإثارة الضمير Statement of Conscience في 23 يناير عام 1996 بمناسبة المؤتمر الذي نظمه بيت الحرية حول الاضطهاد العالمي للمسيحيين.
وتجدر الإشارة إلى أن الرابطة الوطنية للإنجيليين تضم – بحسب ما أعلن رسمياً عند إطلاق البيان – 42500 تجمعاً إنجيلياً أمريكياً. ويمكن اعتبار هذا البيان »الوثيقة النموذج« التي تم الاسترشاد بها في كل ما صدر من تقارير ومشروعات قوانين خاصة بالحرية الدينية ثم القانون الذي تم إقراره. فالقارئ لكل هذه الوثائق سوف يلحظ مدى التوافق بين الوثيقة النموذج أو الأساس وبين كل ما تلاها، وذلك من حيث بنية التقرير وأهدافه والمطلوب اتخاذه من إجراءات، وأيضاً المرجعية العليا الحاكمة لهذه النصوص، والقارئ للبيان يستطيع أن يلحظ أنه موجه أساساً للعمل به من قبل الإدارة الأمريكية بتراتبياتها المتعددة، ويمكن أن نوجز ما جاء في البيان وذلك كما يلي:
1. مقدمة: تعكس الاهتمام العميق لـ »إنجيلي أمريكا – Evangelicals « بشأن الحرية الدينية لأخوة الإيمان. وتقديم الدعوة »للآخرين« للعمل من أجل أن تتحرك الحكومة لكبح جماح الاضطهاد الديني في العالم.
2. الحقائق: يستعرض البيان كيف أن الاضطهاد الديني بات حقيقة مأساوية في ازدياد مطرد، وأنه في كثير من البلدان أصبح الإنجيليون البروتستانت والكاثوليك هدفاً للإرهاب من قبل السلطات، ثم يستعرض بعض الحقائق في بعض البلدان ويصف بعض أشكال الاضطهاد التي يتعرض لها المسيحيون.
3. مبادئ: يضع البيان مجموعة من المبادئ الأساسية والقواعد حول تعزيز الاحترام والحماية لحقوق الناس لممارسة إيمانهم، والاحتجاج أمام الاضطهاد المتنامي للمؤمنين المسيحيين، وإذا كان ما سبق صحيحاً، فإن حكومة الولايات المتحدة لا تقدر على أن تقضي على »الشر Evil « كله في العالم، ولكنها مع ذلك يمكنها أن تتبنى سياسات من شأنها أن تحد من الاضطهاد الديني وتضمن حقوق ممارسة الحرية الدينية معتقداً وممارسة.
4. الدعوة إلى التحرك: ويبدأ البيان في تحديد ما يمكن أن تتبناه حكومة الولايات المتحدة من سياسات، وقد حددها بأربع سياسات:
4-1. إعلام الرأي العام بما يحدث للمسيحيين من اضطهاد سواء على مستوى السياسة الرسمية للحكومات التي يمارس فيها الاضطهاد، أو من قبل النشاط الإرهابي، وفي هذا المجال يقترح البيان ستة إجراءات منها:
4-1-1. سياسة ديبلوماسية جديدة لإدانة الاضطهاد.
4-1-2. إصدار توجيهات للسفراء للقاء دوري بالتيارات الكنسية في البلاد التي بها اضطهاد.
4-1-3. تعيين مستشار خاص للرئيس للحرية الدينية يكون من مسؤولياته إعداد تقرير حول تغيير السياسات التي تتعامل مع الاضطهاد الديني، والتوصية باتخاذ إجراءات حاسمة.
4-1-4. ربط التجارة والمفاوضات الدولية بأوضاع الاضطهاد الديني.
4-1-5. تقديم المساعدات الديبلوماسية واللجوء للمضطهدين.
4-2. إصدار تقارير موثقة بالحقائق من قبل مكتب حقوق الإنسان بوزارة الخارجية والوكالات الحكومية الأخرى حول الاضطهاد الديني، وقد تم اقتراح ثلاثة إجراءات منها:
4-2-1. تطوير دور السفارات فيما يتعلق بمتابعة حالة الحرية الدينية.
4-2-2. التمييز في التقارير الدورية بين المجموعات المسيحية المتنوعة فيما يتعلق بأوضاع الحرية الدينية لكل منها.
4-2-3. أن تكون هناك قواعد يعمل بها لمعالجة توسلات الهاربين من الاضطهاد، وقد حدد لذلك ستة إجراءات.
4-2-4. وضع جدول زمني لوقف المساعدات غير الإنسانية التي تقدم للدول التي تفشل في اتخاذ إجراءات حاسمة لإنهاء الاضطهاد. ولا يسمح بإعادة المساعدات إلا بعد تعهد كتابي من الرئيس (الأمريكي) بأن هذه الدولة / الدول قد بدأت باتخاذ خطوات عملية لإنهاء الاضطهاد.
4-2-5. الخلاصة: إن الحرية الدينية منحة إلهية للإنسان، وهي دعامة أساسية تميز جمهوريتنا وشعبنا يعرف بها. ويختتم البيان بنفس المقدمة التي بدأ بها.
في ضوء ما سبق شكلت الإدارة الأمريكية لجنة عرفت بلجنة “الشريط الأزرق”، لمتابعة النقاش حول موضوع الحرية الدينية برئاسة جون شاتوك مساعد وزير الخارجية لشئون حقوق الإنسان وذلك في نوفمبر 1996 وقد عملت اللجنة الاستشارية الخاصة بالحرية الدينية بدأب من جهة تأصيل التوجه حول الاهتمام بقضايا الحرية الدينية ودراسة أوضاعها وجمع المعلومات عنها عالمياً، كذلك وضع التصورات والأفكار الخاصة بالتعامل مع موضوع الاضطهاد الديني. واستمر العمل لمدة عام تقريباً من بداية عام 1997 (فبراير) إلى بداية عام 1998 (يناير) حيث أصدرت اللجنة تقريرها المهم والمفصل والذي مثل قاعدة مهمة جداً لبنية التشريعات التي توالت للنقاش في الكونجرس، والتي لم يخرج القانون الذي أقر في النهاية عن ما جاء في هذا التقرير، ويلاحظ أن بيان إثارة الوعي الذي صدر عن الرابطة الوطنية للإنجيليين، كان حاضراً بقوة في كل هذه النصوص.
وبدأت جماعات اليمين الديني تضغط في اتجاه إصدار قانون للحرية الدينية حول العالم وبالفعل تبني فرانك وولف النائب الجمهوري عن ولاية فرجينيا، وأرلين سبكتور الشيخ الجمهوري عن بنسلفانيا تقديم مشروع قانون في سبتمبر 1997 عرف باسم:

قانون التحرر من الاضطهاد الديني Freedom from Religious Persecution

وقد حظي هذا المشروع بموافقة 375 عضواً من أعضاء مجلسي النواب في مايو 1998 مع إجراء بعض التعديلات. وواكب هذا المشروع مقترح مشروع قدم إلى مجلس الشيوخ عرف باسم مشروع دون نيكلز في 26 مارس 1998 حظي بإجماع مجلس الشيوخ.
ووافق الكونجرس الأمريكي على إقرار القانون بعد إجراء بعض التعديلات وقد سمي:

قانون الحرية الدينية الدولية – International Religious Freedom Law

وبعيداً عن بعض التغيرات الشكلية من عينة إحلال كلمة إجراءات – Action بدلاً من كلمة عقوبات Sanctions، أو زيادة عضوية اللجنة المسماة بلجنة الحرية الدينية أو إعطاء الرئيس بعض الحقوق التي لا تخل بفاعلية القانون، فإن هناك بعض الملاحظات التي ينبغي الإشارة إليها:

الملاحظة الأولى: أن المرجعية العليا للقانون، وكما جاء في ديباجيته، هي الخبرة الأمريكية في مجال الحرية الدينية، والتي تسبق المواثيق الدولية في هذا المجال، بل باتت الخبرة الأمريكية هي الأساس النظري والعملي للمواثيق الدولية. وهو أمر يعكس بشكل مباشر أولية الشرعية الأمريكية على الشرعية الدولية وأسبقيتها، مما يثير القلق حول الضمانات التي تحول دون أن تبطش هذه الشرعية أو تكيل بمكيالين أو تبالغ في أمر من الأمور.
الملاحظة الثانية: أن القانون في جوهره “عقابي” النزعة حيث وردت 15 عقوبة نصفها اقتصادي الطابع، والمفارقة اللافتة أن القانون وهو يحاول حماية فئة فإنه يعاقب أخرى مما يدعم القلاقل الداخلية بين الفئة المحمية والفئة المعاقبة. (كانت خمسة عقوبات في قانون وولف – سبكتور)
الملاحظة الثالثة: هو أن القراءة المتأنية للقانون تفيد أن أهم بنوده هو توفير الحماية للمبشرين وإتاحة المجال أمامهم كاملاً، وهنا تجدر الإشارة إلى البند 107 الذي ينص على ما يلي:
البند 107: توفير فرص متكافئة للاقتصاد بالبعثات الديبلوماسية الأمريكية في الخارج لتنظيم النشاطات الدينية.
1. بشكل عام:… سيتيح وزير الخارجية (الأمريكي) إمكانية الاتصال بالبعثة الديبلوماسية الأمريكية أو بالقنصل من قبل أي مواطن أمريكي يسعى لتنظيم أي نشاط لأغراض دينية…
2. الزمان والمكان: سوف يعمل وزير الخارجية (الأمريكي) على توفير الخدمات الملائمة المعقولة فيما يتعلق بتوقيت ومكان الاتصال، وذلك في ضوء:
1. عدد المواطنين الأمريكيين من طالبي هذا الاتصال أخذاً في الاعتبار (أية هموم دينية خاصة بشأن التوقيت، اليوم والتاريخ، أو مكان ممارسة الشعائر الدينية).
2. …………………………………………………………………..
3. إمكانية توفير ممارسة الصلوات الدينية المنظمة بشكل علني خارج نطاق البعثة الدبلوماسية.
3. كما يتيح أن يشارك غير الأمريكيين في الحضور والمشاركة في هذه النشاطات الدينية.
وهكذا لا يفرق القانون بين بلاد بحكم تكوينها الاجتماعي، وتاريخها يمكن أن تتعامل مع أديان وأفكار ومذاهب جديدة مثل بعض الدول ذات التكوين القبلي والتي يمكنها استقبال التبشير والدعوة بأديان ومذاهب جديدة، وبين بلاد توجد فيها أديان مستقرة وكنائس وطنية National Churches ونقصد بهذه الكنائس أن قطاعا من أبناء البلد، ليسوا وافدين، قاموا بتأسيس هذه الكنائس فتوحد فيها الديني بالقومي كما هو الحال في روسيا ومصر. فالقانون الأمريكي لا يريد أن يحرم أي مواطن أمريكي، من التبشير، وهو أمر يهدد الكنائس الوطنية ذات المذاهب التاريخية مثل الأرثوذكسية في مصر أو روسيا، إذ لا ترحب الكنيستان بجهود البعثات التبشيرية. والرأي السائد الآن هو أن المجتمعات الإسلامية التي توجد بها كنائس وطنية ستقع تحت ضغط السماح بحرية الأجانب في ممارسة التبشير بين المسيحيين من أبناء البلد. ويتيح البند 107 الحرية للأمريكيين الوافدين – المبشرين – ممارسة شعائرهم خارج نطاق البعثات الديبلوماسية وإمكانية انضمام غير الأمريكيين – الأجانب من مواطني الدولة المضيفة – إليهم. ولاشك أن كثير من المذاهب غير المعتمدة، من الناحية القانونية، كذلك الهيئات الضخمة قد عرفت طريقها إلى كثر من البلدان ومن ضمنها مصر والتي تعتبر امتدادات لمركزها في الولايات المتحدة الأمريكية.
يضاف إلى ما سبق أن تعريف القانون لمفهوم الانتهاكات الدينية يتيح مساحة مفتحة للتبشير مما يضر الكنائس الوطنية والمسلمين على السواء.
في هذا المقام من الأهمية أن نذكر أن القانون قد أوجد آليتين لمتابعة أحوال الحرية الدينية في العالم هما:
سفير فوق العادة.
لجنة لشئون الحرية الدينية.
ويستخدم السفير واللجنة في عملهما ثلاث وسائل هي:
الزيارات الميدانية.
إعداد تقارير سنوية.
الاستجابة العملية للحالات الجادة.
وقد أوجب القانون أن يقوم السفير المعني بإصدار تقرير سنوي في سبتمبر من كل عام من خلال وزارة الخارجية. وأن تقوم اللجنة بإصدار تقرير سنوي يصدر في مايو من كل عام.
ولكن ما يهمنا هنا هو الصلاحيات التي أعطاها القانون للجنة وأنها لجنة ذات طبيعة خاصة ليست حكومية أو برلمانية أو أهلية حسبما كان يتردد في بعض الأوساط، فاللجنة بحسب القانون تعنى بما يلي:
المراجعة السنوية والمستمرة الخاصة بالوقائع والظروف المحيطة بانتهاكات الحرية الدينية.
يلاحظ مما سبق وبمراجعة أسماء أعضاء اللجنة: الثقل المدني لهؤلاء الأعضاء والدور الحزبي في الاختيار والمهام المطلوب تنفيذها، كما يلاحظ الطبيعة الدولية للجنة أمريكية.
ويشار هنا إلى ما جاء على لسان رئيس اللجنة الثلاثية التي قدمت إلى مصر في المؤتمر الصحفي الذي عقد بتاريخ 16/3/2001،وفي إطار تعريفه باللجنة ما نصه:
…»إن اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية، كيان مستقل، يمثل الحزبين (الكبيرين في أمريكا)، تقدم النصيحة لحكومات الولايات المتحدة في قضايا تخص الحرية الدينية حول العالم. أعضاؤها ليسوا رسميين يعملون في الإدارة (الأمريكية)، ولكن مواطنين مستقلين عينوا لتقديم النصح للرئيس ووزير الخارجية والكونجرس… والتوصية بسياسات تهدف إلى تقدم الحرية الدينية…«
وفي ضوء هذه الصلاحيات ووصول الرئيس بوش إلى كرسي الرئاسة بات لهذه اللجنة تأثير كبير فها هو الرئيس في خطبته أمام لجنة يهود أمريكاAmerican Jewish Committee.في الثالث من مايو عام 2001 (قبل أحداث 11 سبتمبر بأربعة شهور) حيث أعلن رؤيته للسياسة الخارجية الأمريكية والأهمية القصوى للدين فيها بالإضافة إلى إشادته بدور لجنة يهود أمريكا في إقرار قانون الحرية الدينية وأنه آن الأوان لإعماله في عهده. وللتدليل على ما سبق سوف نذكر بعض الأمثلة مثل السودان وروسيا ومصر.
أولاً: فيما يتعلق بالسودان وإتمام اتفاق ماشاكوس:

في 20 يوليو من العام 2002، وقعت الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان اتفاقاً عرف باتفاق “ماشاكوس” (وهي مدينة كينية)، نص على إنهاء الصراع الممتد على مدى عشرين عاماً بين الجانبين. وقد ركز كثير من المعلقين على تقرير دانفورث باعتباره الأساس لهذا الاتفاق من جانب كذلك على أن التحرك الأمريكي لإنهاء حد لهذا الصراع في أعقاب حادث 11 سبتمبر من جانب آخر. بيد أن هناك أهمية قصوى لإلقاء الضوء على دور لجنة الحرية الدينية الأمريكية المعبرة بنقاء عن اليمين الأمريكي المتشدد بجناحيه السياسي والديني. فالوقف من المسألة السودانية متبلور بتفصيلاته منذ سنوات شأنه شأن مواقف أخرى تجاه قضايا عدة وذلك في إطار ما يمكن تسميته “تديين العلاقات الدولية”

“سودان الشمال والجنوب وإدارة دولية للثروة”
منذ مسودة القانون الأولى والتي عرفت بقانون وولف – سبكتور (نسبة للعضوين اللذين قدماه فرانك وولف وأرلين سبكتور) فإننا نجدهما وقد خصا السودان بقسم كامل من أقسام القانون الثلاثة عشر، باعتبار السودان دولة راعية ومصدرة للإرهاب إلا أن ما يستوقفنا في هذه المسودة والتي قدمت عام 1997 ما يلي:
1. النظرة إلى السودان، المطلوب عقابه، هو السودان الذي يخضع لحكومة السودان (الشمالية) أو أي منطقة تخضع لكيان يتحالف مع حكومة السودان. ويستثنى من العقاب أي منطقة تقاوم بنشاط حكومة السودان.
2. الحديث عن العقوبات الاقتصادية يحمل بدرجة أو أخرى أهمية السيطرة على الثروات الطبيعية السودانية وبالأخص النفط والغاز.
إذن فكرة السودان غير الموحدة من جانب والسودان الذي تدير ثرواته أمريكا من جانب آخر، هما فكرتان محوريتان في التصور الأمريكي للسودان كل ذلك مغطى بشعار الحرية الدينية. بالطبع لا ينفي ما سبق سوء الأداء الداخلي في إدارة الشأن السوداني وإعطاء الفرصة للتدخل الخارجي بسبب ممارسات غير مسئولة. 
استمرت هذه الرؤية بعد إقرار القانون في صورته النهائية وإن زادت الرؤية عمقاً من خلال التقارير السنوية التي أصدرتها لجنة الحرية الدينية (تصدر في مايو من كل عام بحسب القانون وقد صدرت ثلاثة تقارير إلى الآن). ففي التقرير السنوي الأول للجنة والذي صدر عام 2000 وضعت خطة تضمنت عدة توصيات، إلا أن ظروف الانتخابات الأمريكية لم تتح الفرصة إلى تطبيق هذه الخطة. لذا فإن التقرير الثاني للجنة الأمريكية للحرية الدينية والذي صدر في مايو من العام 2001 قد حدد خطة تتضمن ثمانية عناصر للتعامل مع المسألة السودانية وذلك كما يلي:
1. تعيين شخص تكون لديه صلاحيات يعمل على وضع حل عادل للحرب في السودان كذلك وضع حد لانتهاكات الحرية الدينية مع عدم تعيين سفير أمريكي للسودان.
2. ضرورة زيادة المساعدات الإنسانية أينما كانت الحاجة إليها وبالأخص جبال النوبة سواء بموافقة الحكومة السودانية أو لا.
3. ضرورة أن تزيد الحكومة الأمريكية من مساعداتها لجنوب السودان والتجمع الوطني الديمقراطي دعماً لقدراته الذاتية للمشاركة في عملية السلام.
4. إعداد وتنظيم حملة دبلوماسية للضغط على الحكومة السودانية لوقف كل الانتهاكات.
5. دعم العقوبات الاقتصادية ضد السودان، ومنع أي شركة أجنبية من التعامل في الأسواق الأمريكية طالما تعمل في مجال النفط والغاز في السودان. كذلك عدم إعطاء تراخيص تصدير الصمغ العربي السوداني إلى أمريكا.
6. على الشركات التي تعمل في السودان أن تراجع نفسها في ضوء الواقع.
7. الحكومة الأمريكية عليها تكثيف مفاوضات السلام وإعلان المبادئ المؤسسة له – Declaration of principles (DOP).
وفي هذه النقطة تذكر اللجنة ضمان حضور أمريكي فاعل ومباشر إقرار المفاوضات وإعلان المبادئ كذلك التوصية باستخدام الحكومة التأثير الديبلوماسي على مصر لتكوين “شريك بناء” في مفاوضات السلام بحسب التصور الأمريكي بالطبع.
8. العمل على زيادة الاهتمام بحقوق الإنسان.
تجدر الإشارة أن اللجنة في تقريرها لعام 2000 ركزت على مساعدة الحركة الشعبية لتحرير السودان وباقي المجموعات المعارضة بما فيها التجمع الديمقراطي، ثم ركزت في تقرير 2001 على مساعدة الأخير دون غيره، ثم تراجعت عن ذلك بعد ثلاثة شهور ويبدو أن الأمر مرتبط بموازين القوة على أرض الواقع. يشار أيضاً إلى أن النفط في تقارير اللجنة هو مفتاح حل المسألة السودانية على أساس سودان الشمال وسودان الجنوب. 
وبالرغم من أن جهد اللجنة يتم تحت مظلة الحرية الدينية إلا أن التقرير تضمن أن السبب الرئيسي للصراع هو النفط لذا ينبغي اقتسام العائدات أخذ في الاعتبار وضع عائدات الخرطوم من النفط تحت إدارة دولية.
Placing the country’s oil revenues in an internationally administered trust fund
ويشار إلى أن الحالة السودانية كانت موضوع اهتمام الرئيس بوش حيث فرض تصوره في اجتماعه بلجنة يهود أمريكا في مايو 2001 تفصيلاً والتي لم تخرج عن تصور لجنة الحرية الدينية، الأكثر أن تقرير دانفورث أعلن في مايو الماضي بعد أن أعلنت لجنة الحرية الدينية تقريرها حول يخص السودان في 29 إبريل 2002 الذي أوصى بأمرين أساسين:
حق تقرير المصير للجنوب.
حكومة علمانية تضمن الحرية الدينية لكل الأفراد في الشمال وفي الجنوب مع الإشارة بأن النفط هو المشكلة كما أنه الحل في نفس الوقت

ثانياً: زيارة الرئيس بوش إلى روسيا في مايو 2002:

من أهم النتائج إلى ترتبت على زيارة الرئيس بوش إلى روسيا في مايو من العام الماضي إلى الاتفاق النووي الذي توصل إليه الطرفان والاتفاقات الخاصة بالطاقة وإعلان تعاون استراتيجي بينهما، هو فتح الطريق أمام روسيا لتكون عضواً عاملاً في إطار المنظومة الغربية وذلك من خلال إعلان روما الذي ينظم علاقة روسيا بالناتو (حلف الأطلسي)، ربما لا تعكس هذه العلاقة عضوية كاملة تكفل حقوقاً كاملة لروسيا إلا أنها في الوقت نفسه تكرس وضعاً جديداً ليس أوروبياً فقط وإنما تمتد إثارة إلى أبعد من أوروبا. هذا عن الجانب السياسي العملي في هذا الشأن ولكن على الجانب الثقافي والحضاري نجد خيار بوتين في اتفاقاته مع أمريكا تصطدم مع عوائق محلية لعل من أهمها هو موقف الكنيسة الروسية الأرثوذكسية المذهب والتي يرجع تأسيسها إلى القرن العاشر ويتمثل موقف الكنيسة الروسية في خوفها من الانفتاح على الغرب بسبب الانتشار غير المسبوق لنشاط الإرساليات التبشيرية البروتستانتية دون الأخذ في الاعتبار وجود كنيسة وطنية حيث الانتماء الديني والانتماء الوطني والقومي يمثلا محددين هامين لأعضاء هذه الكنيسة والتي تمثل كل الروس المسيحيين. وعليه فإن ما لم يلق الاهتمام في هذه الزيارة ويدخل في نطاق أهمية المكون الديني في العلاقات الدولية كذلك لم تعطه التغطية الإعلامية حقه هو البيان الذي أصدرته لجنة الحرية الدينية بتاريخ 16 مايو 2002 بضرورة أن يتلقى الرئيس بوش بالقيادات المسيحية غير الأرثوذكسية أثناء زيارته إلى روسيا. فبالرغم من التحسن في مجال الحريات الدينية عقب انهيار الاتحاد السوفييتي إلا أن قانون الأديان الصادر في عام 1997 في روسيا قد منع النشاطات الدينية التبشيرية حماية للأديان التقليدية في روسيا: المسيحية والإسلام والبوذية، إلا أن هذا القانون قد خص الإرساليات التبشيرية البروتستانتية والكاثوليكية. وقد أوضحت اللجنة في بيانها أنه على الرئيس بوش أن يضع أمام الرئيس بوتن وبكل وضوح أن الحرية الدينية لابد من أن تصان من أجل بناء روابط وثيقة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية ولا يخفى أن الحرية الدينية بهذا المعنى هي حرية المبشرين ورهن العلاقات السياسية بين الدولتين بهذا الأمر. يشار في هذا السياق هو أن لجنة الحرية الدينية في معرض حديثها عن بعض الطوائف البروتستانتية التي تتعرض لإعاقات في ممارسة نشاطاتها تذكر إلى جانب “الانجيليون البروتستانت”، شهود يهوه، والمرمون والسبتيون، ومن المعروف أن الكنائس الشرقية الأرثوذكسية تعبيرها مذاهب منحرفة.
لقد وضعت لجنة الحرية الدينية الأمر برمته في يد الرئيس بوش على أن يناقشه مع الرئيس بوتن مباشرة. وبالفعل التقى الرئيس بوش بالقيادات الدينية في السفارة الأمريكية بروسيا في الرابع والعشرين من مايو 2002 حيث وضع بعض المبادئ والقواعد باعتبارها أساساً للتعاون المشترك بين روسيا وأمريكا وربطها بالحرية الدينية في روسيا.
إن هذه الزيارة ولاشك تعكس أهمية المكون الديني في السياسة الخارجية الأمريكية ودور لجنة الحرية الدينية في تشكيل هذه السياسة والاستجابة الرئاسية لتوصيات اللجنة ولعلها باتت هي المرجع الرئيسي في هذا المجال. على الجانب الآخر نجد ظلال مقولات هانتينجتون فيما يتعلق بالعلاقة بين الحضارات أو الصدام فيما بينها، فالتقارب السياسي الروسي الأمريكي لابد وأن يلحقه تقارب ثقافي حضاري ديني، إلا أن الكنيسة الروسية بما تمثله من ثقل تاريخي تعوق دون ذلك دفاعاً عن وجودها وعليه لابد من تفكيك الكنيسة تحت مظلة الحرية الدينية للجميع. وجدير بالذكر أن هانتينجتون قد وضع الأرثوذكسية السلافية في نفس الخندق مع الإسلام.

ثالثاً: ماذا عن مصر؟

على مدى التقارير الصادرة عن كل من السفير فوق العادة (4 تقارير بداية من عام 1999) ولجنة الحرية الدينية (4 تقارير بداية من عام 2000)، فإن مصر كانت توضع دائماً ضمن التصنيف الثالث والذي عنوانه: دولة تهمل التمييز / الاضطهاد الذي يمارس ضد الأغلبية. وكانت التقارير وبخاصة في عامي 2000 و 2001 كانت قد رصدت تحسناً فيما يتعلق باحترام الحكومة للحرية الدينية إلا أن هناك بعض الملاحظات التي يمكن ذكرها حول التقارير السابقة على التقرير الأخير الصادر في مايو الماضي وذلك كما يلي:
(1). لم يزل التقرير الخاص بمصر ينطلق من رؤية للأقباط باعتبارهم أقلية، على الرغم من تأكيد التقرير للمرة الأولى (تقرير عام 2001) على أن المسلمين والأقباط يشتركان معاً في نفس التاريخ، ولهما نفس الهوية القومية، ولهم نفس الجذر العرقي، ولهم ثقافة واحدة، ويتحدثون نفس اللغة. الأمر الذي يعكس تأرجحاً في محاولة التركيز على الأقباط باعتبارهم أقلية لها سمات خاصة من جهة، وفي الوقت نفسه التأكيد التكاملي من جهة أخرى.
(2). التركيز على التعامل مع الأقباط باعتبارهم كتلة واحدة ذات مصالح واحدة.
(3). التركيز على الأقباط الأرثوذكس فقط دون غيرهم.
(4). إدخال موضوع معاداة السامية بشكل مفاجئ في سياق التقرير، حيث تم رصد هذا الأمر في الصحافة المصرية، والقارئ للتقرير يشعر كما لو كان تم حشر هذا السطر حشراً فلا صلة له بما قبله أو بعده.
(5). لم يرصد التقرير الجهود المحلية المتنوعة في مجال الحوار والتعاون الإسلامي المسيحي بل اكتفى بالرسمي منها.
(6). وضح الدور الكبير المعطى للسفارة في إعداد التقرير ومتابعة الموضوع وأشد ما يقلق هو ما ورد في التقرير نصاً:
The Embassy investigates every complaint of religious discrimination brought to its attention…
أي: إن السفارة حققت في كل شكوى وردت إليها خاصة بالتمييز الديني.
(7). أوضح التقرير الدور الكبير لهيئة المعونة الأمريكية في عدد من المجالات ولكن دون الإفصاح عن تفاصيل هذا الدور وطبيعته ومجالات النشاط التي يعمل بها.
أما عن التقرير الأخير فإننا نرصد ما يلي:
توجيه لوم إلى الحكومة المصرية لأنها فشلت في اتخاذ خطوات ناجحة في مواجهة الضغط والعنف تجاه “المؤمنين من معتنقي الأديان” Religious Believers من دون تحديد هويتهم وانتماءاتهم.
بدء استخدام تعبير المجموعات الدينية في مصر Religious Groups كذلك تعبير المجموعات المسيحية Christian Groups.
والمفارقة تكمن أنه في الأعوام التي كانت اللجنة ترقب تحسناً في أوضاع الحرية الدينية في مصر كانت تركز على الأقباط وحدهم بينما في هذا العام ترصد مشاكل جادة حول وضع الحريات الدينية تمس كل المجموعات المسيحية ومن ثم تضع مصر تحت لائحة “الرقابة” “Watch List”، للمرة الأولى.
ويبرز السؤال هل هناك في مصر مجموعات مسيحية أم أن هناك كنيسة وطنية تضم الأقباط الأرثوذكس بالإضافة إلى الأقباط الكاثوليك والأقباط البروتستانت.
وهل يعكس استخدام تعبير مجموعات دينية أن مصر في نظر التقرير تتكون من مجموعات دينية متنوعة بالرغم من أن مصر تعرف تاريخياً بالتجانس العرقي وأن هناك كتلتين رئيسيتين إسلامية سنية ومسيحية وكلاهما “مصريون”، ولا يذكر التقرير الأقباط إلا عند ذكر حكم الكشح فقط.
إن بدء استخدام هذه “التعبيرات” لابد وأن نقف أمامها كثيراً ولا نستبعد تأثير التحولات السياسية التي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية تنفيذها في المنطقة، فكما أن التصورات الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط قد وضعت بتفاصيلها في تقرير “الملاحة في بحار عاصفة” الذي أعدته نخبة من المفكرين الاستراتيجيين وصدر عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، والذي ألقى الضوء عليه تفصيلاً الأستاذ محمد حسنين هيكل، وكان قد وضع على مكتب الرئيس الأمريكي في يناير 2001 أي قبل أحداث 11/9 ومثل الرؤية السياسية للمنطقة، هناك تقرير آخر صدر عن نفس المعهد حول الأقليات في المنطقة في نفس التوقيت تقريباً الذي صدر فيه التقرير الأول وكتبه موشى ماعوز، حيث تحدث فيه عن عدة دول من ضمنها مصر وصفها بما يوحي بما هو مخطط لها تحت عنوان: من الاندماج إلى الانفصال From Integration to Segregation حيث ينهي هذه العبارة بعلامة استفهام، وواضعاً الحالة المصرية أمام الحالة الخاصة بالأقلية العربية في إسرائيل واصفاً إياها بما يلي:
من الانفصال إلى الاندماج – From Segregation to Integration
وفي نفس الوقت لا يمكن التغافل عن هذه الحركة النشطة والدؤوب للهيئات التبشيرية في العالم كله، فها هي هذه الهيئات تحتكر لنفسها تقديم المعونات إلى العراق تحت ظل قوة الاحتلال، كذلك يمكن الرجوع إلى مدى الانتشار التبشيري في أمريكا اللاتينية في كتاب Latin American Religion in Motion وحول أوروبا الشرقية وتحديداً روسيا يمكن الرجوع إلى كتاب God In Russia لقراءة جهود الإرساليات التبشيرية في هذه المناطق. ولا شك أن مصر تتعرض لهذه الهجمة من خلال العديد من الهيئات والتي بدأت آثارها تتضح مؤخراً في كثير من الأحيان، وعليه فإننا لا يمكن أن نستبعد هذا التحول في لغة تقرير الحرية الدينية لهذا العام عن ما يحدث من تحولات وتحركات تصب في اتجاه التوسع الأمريكي الإمبراطوري الذي يتجاوز مفهوم العولمة بما يعني من تنميط ثقافي ودمج اقتصادي إلى أن يكون العالم كله وحدة سياسية مركزها الإمبراطورية الأمريكية ورعاياها العالم كله شريطة أن تكون أراضي هذه الرعايا أسواقاً للمركز ونقاط ارتكاز عسكرية للقوة الإمبراطورية، وأن يحمل هؤلاء الرعايا نفس السمات العقائدية والثقافية وتكون حدود حريتهم الدينية هو الالتزام بهذه السمات دون غيرها.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern