من المسؤول عن أزمة الدواء فى مصر؟

لم أكن أدرك إلى أى مدى بلغت أزمة تأمين الدواء فى مصر للمواطنين- وخاصة الأدوية الهامة والحساسة- إلا بعد أن رأيت عددا من المصريين فى أكثر من رحلة إلى خارج مصر، فى الأشهر الثلاثة الأخيرة، وهم يشترون الأدوية الناقصة للأقارب أو الأصدقاء، وقد حاولت أن أعرف أسباب هذه الأزمة فوجدت من أرجعها،


أولا: إلى سياسة صرف الدولار بشكل أساسى. وهناك من أحالها،

ثانيا: للسياسة الدوائية بعناصرها المتنوعة بداية من البحث والتطوير، ومرورا باختيار قوائم الأدوية التى علينا تصنيعها وتصنيفها وترتيبها، ونهاية بتسعيرها وتوزيعها..إلخ، فى مصر بشكل عام. وأخيرا،

وثالثا: للسياسة المتعلقة بتصنيع الدواء فى مصر منذ السبعينيات. ويبدو لى أنه لا يمكن فهم إشكالية صناعة الدواء فى مصر ما لم يؤخذ فى الاعتبار كل ما سبق فى آن واحد، ذلك لأنا لن نستطيع أن نواجه أزماتنا دون تأصيل علمى لفهم أسباب ما نحن فيه. حيث الرؤى الجزئية لن تعطينا إلا حلولا جزئية. بينما الرؤى الكلية سوف تدفعنا إلى حلول شاملة.

(2)

والسؤال الأساس الذى يجب أن ننطلق منه هو: «ما الذى جرى لصناعة الدواء فى مصر؟»، وقد عرفت مصر هذه الصناعة فى عام 1940، مع تأسيس شركة مصر للأدوية المملوكة لمجموعة شركات مصر لطلعت حرب باشا، وكانت الأساس لنهضة دوائية مصرية غير مسبوقة فى المنطقة. مكنت مصر من أن تؤسس مطلع الستينيات أكثر من 12 شركة دواء، بالإضافة لمصر للمستحضرات الطبية، كانت هناك النيل، والقاهرة، وسيد، والمصرية.. إلخ. حيث استطاعت مصر أن تصدر أدوية لكل دول المنطقة. وكان فى كل شركة قسم للبحوث والتطوير وصل إلى أن يبتكر فى تركيب أدوية جديدة وكلها من الفئة الهامة. ولم يكن باقيا أمام صناعة الدواء فى مصر سوى إنتاج المادة الفعالة للأدوية والتى تجعلها ذات أثر لدى مستخدميها، ولعل السؤال لماذا تعثر هذا الأمر وما هى أسباب التى أعاقت مصر عن امتلاك القدرة على إنتاج المواد الفعالة.. هناك من يرجع ذلك إلى تواطؤ تم بين عناصر بيروقراطية والشركات الأجنبية وهو ما يستحق فهمه، وتعلم الدروس المستفادة وخاصة مع زمن انفتح العالم فيه. وأصبحت هناك شركات عملاقة، كذلك أصبحت تجارة الدواء التجارة العالمية الثانية.

(3)

ومع الانفتاح، قيل إنه ينبغى التخفف من قطاع الدواء العام. فأنشئت الشركات الخاصة. التى قال لى البعض من الذين كانوا منخرطين فيها: «إن بعضها قد انطلق دون أن يتضمن أقسام بحوث وتطوير!». وأن الصناعة كانت أقرب إلى التعبئة (أى يتم استيراد البودرة التى ستوضع فى الكبسول وهكذا). وتم التركيز على الأدوية من الفئات الثانية والثالثة من عينة أدوية التخسيس، والتجميل.. إلخ. وعليه كان الاستيراد ضروريا لاستكمال حاجتنا من الأدوية، خاصة المعالجة للأمراض الحرجة والحساسة. وكان مواكبا لذلك سلاسل الصيدليات المختلفة التى انتشرت فى ربوع مصر، وبالأخير وجدنا أنفسنا أمام شراء الأدوية من الخارج من خلال المسافرين لتلبية حاجة المتألمين. والذين أغلبهم من القادرين، والقادرين إلى حين.

(4)

وبعد، يبدو أننا أمام محنة حقيقية شأنها شأن كثير من المحن التى تأجل حلها عبر عقود وسمحنا لها أن تتفاقم. ومن ثم فليس أمامنا سوى أن تقوم المؤسسة العسكرية بواجباتها فى هذا الأمر باعتبار صناعة الدواء قضية أمن قومى. ولعب دور فى تجميع كل عناصر الصناعة لوضع رؤية استراتيجية آمنة للدواء المصرى. وخاصة أن صناعة الدواء ليست صناعة تكميلية وإنما استراتيجية حيث ترتيبها الثانى فى العالم. وفى المقابل تحرير طريقتنا فى التفكير من الطريقة الجزئية الإجرائية إلى تفكير يقارب الأزمة بشكل كلى (فالقضية أعمق من التسعير وسعر الصرف الذى كشف المحنة فى جوهرها)، فلا سبيل إلا بتأسيس قاعدة علمية بحثية تقوم بتطوير بحوث الدواء ويتم ربطها بالصناعة وأولويات السوق المصرية. وضبط الاستيراد من الخارج، وخاصة لأدوية الخرافات مثل: الحبة التى تعالج كل شىء ويتم ترويجها إعلاميا، والأدوية التى لها نفس التركيبة الدوائية بأسماء تجارية مختلفة.. إلخ. ونواصل...


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern