مقومات الأوطان وروح الشعوب

(1)

كان أستاذنا وليم سليمان قلادة (1924- 1999)؛ الفيلسوف والمفكر والمؤرخ والقانونى واللاهوتى الزاهد الكبير، يلح دوما على ما كان يطلق عليه مقومات الكيان المصرى؛ وقد حددها فى سبعة مقومات هى: «أولا: الجغرافيا: الأرض، وثانيا: البشر: المصريون، وثالثا: المشروع المصرى، ورابعا: الدولة، وخامسا: الحضارة، وسادسا: التعددية، وسابعا: التاريخ»…وكان حوارنا المبكر حول هذه المقومات يحمل قدرا من «الشغب»، مضمونه: هل الأوطان لها مقومات؟ وكيف تتبلور هذه المقومات؟ ومدى استمرارية هذه المقومات؟ وهل هى من الأمور الثابتة والمستقرة؟…فكان الأستاذ يصر على رؤيته ويدلل عليها من واقع حركة الناس النضالية عبر العصور…

وأعترف أننى مع مرور الوقت وكثرة الاطلاع، وتوالى الأحداث على أرض الواقع: حلوة ومرة. كيف أن هذه المقومات حية وناطقة وجعلت من الوطن: مصر، كيانا حيا، ذات هوية: بالاسم نطلق عليه تارة: إيزيس وتارة مريم وتارة بهية؛ ولكن الكيان هو هو…وبالخبرة التاريخية أجمع المصريون ـ رغم الشدة والبلاء وقسوة الحكام الوافدين ـ على وصف مصر: بـ «المحروسة»، و«الكنانة» و«أم الدنيا» و«أرض الفرح».

(2)

وفى كتاب مايكل رايس: Egypt’s Making ـــ 2003؛ يقول: «مصر الجمال الدائم»، المقاومة للزمن…«فأرضها يخترقها نهر ينبض بالحياة أعطى لها سمة الأبدية وفيها تعانق الماء مع اليابس ومد يده بالحب للطائر والحيوان والإنسان ليرتبطوا جميعا فى كمال ووحدة أزلية»…فمصر «لم تأت من فراغ ولم تكن وليدة صدفة أو مجرد لحظة إبداع، ولكنها كانت بناء فلسفيا جعل من الوطن فكرة ينتصر بها الفرد على هشاشته وعمره الموقوت ويتصالح بها مع حتمية نهايته من خلال دوام واستمرار هذا الوطن» بمواطنيه…ويقول صلاح جاهين فى هذا: «ما تعرفيش يا حبيبتى…أنا وانتى مين؟…إنتى عروس النيل…وأنا النيل بذاته».

وهنا يتذكر الشاعر كيف أن الجدل والتفاعل بين الإنسان والنيل ـــ التى هى جزء لا يتجزأ من الأرض ــ إنما يجدد الحياة.

(3)

لذا كان محقا المؤرخ العلامة محمد شفيق غربال فى كتابه: «تكوين مصر» أن يقول: «مصر هبة المصريين». ذلك لأن هذا التكوين كان من صنع «المصريون»…ما أصبغ عليها من سمات المصريين وروحهم. ومصر هنا هى العابرة للزمن والحية والشاهدة إلى الآن وإلى ما شاء الله…وعليه صارت ’’الأرض‘‘ ذات قيمة كبيرة لدى المصريين…

(4)

وتعد علاقة المواطن بالأرض أحد الموحدات بين المصريين على اختلافاتهم. والتى تعكس فى لحظات تاريخية قد يكثر فيها الجدل الوطنى حول إشكالية ما تتعلق بالمقومات الأساسية للأوطان. كيف أنها تستنفر روح الشعب؛ بتعبير أندريه سيجفريد (1875 ـ 1959، العالم السياسى الفرنسى)، أو ما يحمل من مكنون داخلى يعبر عن طابعه القومى أو ثوابته الوطنية. أو بلغة أخرى ما يربط بين كل المواطنين يجمعهم وطن واحد. لذا أحيانا تجد ردة فعل جماعية غير متوقعة تجاه ما يحدث، خاصة، إذا ما كان الأمر يتعلق بمقومات الوطن الرئيسية.

(5)

إن ما مر بالبلاد خلال الأيام الماضية علينا أن ننظر له نظرة إيجابية. فبعيدا عن حديث الوثائق فهذا نتركه لأصحابه من الحرفيين فى هذا المقام…هناك ما وصفته القيادة السياسية بـ«غيرة المصريين على وطنهم»، لأنها غيرة تعبر عن روح الشعب المستلهمة من مقومات الوطن…وهى نفسها روح الشعب التى استنفرت فى مواجهة الاستبداد الدينى الذى هدد أحد أهم مقومات الكيان المصرى ألا وهو: «التعددية المجتمعية» أو «المركب الحضارى المصرى المتعدد العناصر»…فكان التمرد/ الخروج الذى كان عابرا للطبقات، والأديان، والأجيال،…، إلخ.

(6)

أما الأمر الآخر الذى نعده إيجابيا هو التوافق المصرى على الجيش الوطنى ـ أحد أعمدة الدولة الحديثة فى مصر بالإضافة لجهازها الإدارى ومؤسسات الحداثة ـ الذى «يحترم الناس، ولا يفرط فى أى ذرة رمل من أرض الوطن» بحسب القيادة السياسية. وهو أيضا ما يصب فى مقومات الكيان المصرى…وظنى أن أى حوار خارج مرجعية هذه المقومات لن يكون مجديا ما يحول الأمر إلى «فتنة» تزيد من «المحنة» التى صنعتها شبكة الامتيازات المغلقة بتجليها: الدينى والسياسى، عبر عقود. ونواصل…

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern