«اليوتيوب»: الطريق إلى دنيا جديدة...

(1)

دعيت منذ عام تقريبا إلى ندوة حول التحولات الكونية فى العالم. وكنت أقدم موضوعا لندوة من خلال «الباور بوينت». وفى بعض الشرائح كنت أذكر أسماء بعض الكتب التى يمكن الرجوع إليها حول فكرة ما. وأحيانا كنت أشير إلى أفلام سينمائية مهمة ـ يمكن الرجوع إليها ـ تناولت حياة سياسيين ممن نذكرهم فى حديثنا، وجسدت وقائع أشرنا إليها أثناء الندوة. ولا يفتنا أن نقول إن استخدام الوسائل المعينة بات ضروريا فى الندوات لأنه يواكب طرق التلقى السائدة فى أوساط الأجيال الجديدة. وقد كنت أظن فى هذه الليلة أننى على الخط مواكبا لهم. خاصة وقد اجتهدت فى تحضير العرض بالرسومات والأشكال والألوان التى أظنها ميسرة قدر الإمكان لما أقول.. ولكن…

(2)

بعد انتهاء اللقاء، وقفت مع بعض الشباب لاستكمال الحديث. كان أحدهم صامتا ينصت للحديث الذى دار حول ما جاء فى حديثى من أفكار. وفجأة تدخل الشاب الصامت مقاطعا الجمع بقوله: «على فكرة بعض الأعمال الفنية والمواقع الجغرافية التى ذكرتها كان يمكن استحضار مشاهد منها/لها، ووضعها فى العرض»…شدتنى ملاحظته جدا فأجبته: كيف؟…قال: «اليوتيوب»؛…وأخذ يستفيض فى مزايا«اليوتيوب وإمكانياته»…الأهم أن الشباب الذين كانوا يتحدثون معى انخرطوا بحماس شديد فى التعبير عن خيرة كل منهم مع «اليوتيوب» You Tube…

(3)

ما إن عدت إلى منزلى، قمت فورا بإنزال«اليوتيوب» على الآى باد.. وأخذت أكتشفه يوما بعد يوم.. وعلى مدى زمنى يقترب من العام الآن، تابعت تطور الآى باد مثل أى أب يقوم بمتابعة طفله، فخدمة اليوتيوب ـ وكل الخدمات المشابهة ـ ليست خدمات جامدة وإنما هى أقرب للكائن الحى الذى ينمو ويتطور كل يوم من خلال: تطبيق جديد، أو إضافة تقنية نوعية. وهو يعطى هذا الإحساس خاصة وأنت تحتضن الآى باد لفترة غير قصيرة…

(4)

انطلقت الخدمة التجريبية لموقع اليوتيوب فى عام 2005. وتطورت من مجرد موقع يعرض النصوص والصور إلى مكتبة تضم ملايين العروض من: الحوارات، والأفلام بأنواعها، والمسرحيات، والكليبات الغنائية، والتقارير الإخبارية، والخطابات السياسية، والأحداث التاريخية، والعروض الحية،…، إلخ. كما تم توظيفه لخدمات متنوعة مثل: الحملات الانتخابية، ونقل الأحداث الساخنة من بلدان العالم المختلفة، والبث المباشر للمناسبات المختلفة، وتنظيم الحملات التسويقية والدعائية والإعلامية، والمواد التعليمية،…، إلخ.. وعليه أصبح «اليوتيوب»؛ وأرجو الانتباه:

يجذب شهريا أكثر من «مليار» مشاهد فى العالم.. نعم «مليار» مشاهد شهريا….

فما هو يا ترى سر هذا الإقبال على «اليوتيوب»…

بداية، نشير إلى أنه لا ينبغى التعاطى مع التقنيات «التواصلية المعرفية»، إن جاز التعبير، باعتبارها تقنيات تتبع فئة «الجماد»، وإنما هى تقنيات حية تتفاعل مع البشر وتؤثر فى حياتهم وتستجيب لطموحاتهم وتطلعاتهم مرات عديدة فى وقت قليل من خلال التطور التقنى المطرد.. هذه العلاقة أعقد بكثير من العلاقة التى نشأت بين الإنسان والأجهزة المُعمرة فى «الزمانات»…لماذا؟…

(5)

«عالم جديد ـ دنيا جديدة»؛ هو العنوان الكبير الذى يمكن أن نضعه للأثر الذى تحدثه «التقنيات التواصلية المعرفية فى الإنسانية.. ملامح هذا الأثر نرصدها فيما يلى: أولا: تُمكن الإنسان أن يخلق عالما مستقلا عن ما حوله، عالم آخر من لحم ودم، يكونه بطريقته ويختار من يرافقه فى حياته اليومية دون محاذير مسبقة. ويستبعد من يريد دون خلافات أو مشاجرات. ينخرط فى كل الأحداث بالطريقة التى يريدها أى بشروطه. وينسحب فى الوقت الذى يقدره.. ثانيا: استحضار الأزمان والأماكن والمواد فى أى وقت؛ كانت القفزة الكبرى الإعلامية فى التسعينيات عندما كنا نشاهد الحدث ونتائجه فى وقت واحد وعبر الأماكن. مع اليوتيوب يمكن أن ينتقل المرء بين الماضى والحاضر والمستقبل بحسب ما يريد.. فيمكن للمرء أن يشاهد حلقة أجنبية للمفتش كولومبو أو خطبة لعبدالناصر أو فيلم اغتيال كينيدى وحفلة حية للبيتلز أو عبدالحليم، ثم ينتقل إلى الحاضر بمواده المتنوعة، وأخيرا المستقبل وتوقعاته.. ثالثا: التحرر من أى سيطرة مركزية أو أبوية/ بطريركية؛ فلم يعد المرء رهنا للبرنامج الرسمى الذى تعده الإذاعة أو التليفزيون الرسمى. حيث يضع كل واحد البرنامج الذى يريد. كذلك يعيش الإنسان مع نفسه بعيدا عن الآخرين يشاهد ويتفاعل مع ما يسعده. ما يعنى انتهاء زمن التنميط المفروض من أعلى. رابعا: إمكانية الشراكة فى صناعة الكثير من الأمور بعيدا عن المؤسسات المسؤولة؛ فمن خلال فهم التقنيات المختلفة يمكن لأى إنسان أن ينظم حملات دعائية لنفسه أو لأحد الفنانين الناشئين. وذلك بجمع مشاهد من الأعمال ووضعها فى مقاطع مستقلة ونشرها فى اليوتيوب. ومن ثم يمكن أن يكون المرء مشهورا خلال 24 ساعة. بعيدا عن شركات الدعاية المتخصصة، أو مديرين الأعمال المتخصصين،…، إلخ. ويمكن قياس على ذلك أمور كثيرة. وبقدر ما يتقن المرء التقنية بقدر ما تنتشر وتؤثر ومن ثم تتلقى إعلانات…

(6)

اليوتيوب؛ وكل ما يشابهه، ينقل الإنسانية بنعومة إلى عالم جديد.. ونحن فى مجتمعاتنا لا ندرك ذلك لا على المستوى التقنى، ولا السوسيولوجى، ومن ثم الأثر العملى لذلك.. ولم نزل نروج لمؤسسات قديمة فاقدة للصلاحية.. ونواصل…

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern