حقبة الاحتجاجات الاقتصادية: إلى متى؟

 1 – عرفت مصر الاحتجاجات المنظمة ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية منذ سنة 2004 ولم تزل.. وباتت تُصنف من الدول التى تعيش فى حالة مستمرة من دورات الاحتجاج Cycles of Protest، بحسب أدبيات الحركات الاجتماعية والسياسية.. وقد بدأت الدورات الاحتجاجية بالسياسى والمدنى وتقاطعت مع الاقتصادى والاجتماعى، وتكثفت هذه الدورات فى لحظة تاريخية دافعة نحو «حراك 25 يناير».. وكان من المفترض أن تلبى مطالب المواطنين دون تفريق بين ما هو سياسى وما هو اقتصادى..

إلا أنه- ولأسباب كثيرة- أخذ البعد السياسى/ المدنى الأولوية، والذى كان من نتيجته إسقاط الاستبداد السياسى أو الفرعونية/ الشمولية/ السلطوية السياسية.. وبالرغم من أن المواطنين لم يتوقفوا عن المطالبة بحقوقهم الاقتصادية/ الاجتماعية، إلا أن الإجراءات السياسية كانت تحظى بالأولوية فى عملية التحول السياسى.. فاستمر الملف الاقتصادى/ الاجتماعى مؤجلاً.. فتوالت دورات الاحتجاج.

2- وعندما جرت الانتخابات الرئاسية وفق شرعية 25 يناير لم تعط السلطة الجديدة اهتماماً بأحوال المواطنين، حيث أعطت أولوية لمشروع الدولة الدينية وهو ما قاومته الجماهير، وأعطته الأولويةـ دون أن توقف احتجاجاتهاـ فكان «التمرد» الذى أسقط الاستبداد الدينى.. ولكن ظل الملف الاقتصادى/ الاجتماعى مؤجلاً.. ومع الدورة الانتقالية الجديدة من عملية التحول الديمقراطى استمرت الاحتجاجات وتنوعت أشكال التعبير عنها، وامتدت لتشمل قطاعات نوعية جديدة غير مسبوقة، وانتشرت فى ربوع البلاد.. وأصبحت هناك مراكز ترصد (ما لا يرصده الإعلام) بشكل يومى، هذه الاحتجاجات التى لم تقتصر على القطاع الحكومى فقط بل طالت القطاع الخاص أيضاً.. وهكذا نعيش منذ عقد من الزمان فى دورات متعاقبة- باتت يومية- من الاحتجاج الاقتصادى/ الاجتماعى، ولم تستطع الحكومات المتعاقبة أن تفك شفرة هذه الاحتجاجات- بوعى أو غير وعى.. لماذا؟

3- مع تطبيق سياسات الليبرالية الجديدة التى استفادت منها القلة الثروية منذ عقود طالت الاختلالات العميقة البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وأخفت نسبة النمو المرتفعة وحالة الانتعاش المالى الكثير من هذه الاختلالات.. ولأن الاقتصاد فى مجمله يقوم على الريع فإن استجابته للمتغيرات تكون متدنية.. وهكذا «انكشف المستور».. فالسياسات ليست هى السياسات التى تنهض بالبلاد.. ومنحازة لتوزيع للثروة غير عادل يذهب للقلة على حساب الأغلبية.. ونخبة ثروية (سياسية ودينية تشاركا معا فى البرلمانات من 1984 إلى 1995) وظفت ماكينة التشريع- على مدى عقود- كى تصدر تشريعات فى صالح أصحاب العمل على حساب: العمال، والموظفين، وصغار الحرفيين، والمهنيين، من حيث الأجور المستحقة، وحقوق العمل العادلة، وتطبيق النظام التأمينى الشامل،.. إلخ.. وكانت السلطة تخفى هذه الاختلالات بشغل الناس عنها بجعلهم يختلفون فيما بينهم حتى لا يتضامنوا معاً فيما يهددهم أو بشغلهم بما لا يفيد مثل مباراة مصر والجزائر أو ما شابه.

4- وبعد، عرف المصريون طريق الاحتجاج على مدى عقد من الزمان.. ولم تفلح الدعاية المضادة لحركات الاحتجاج والتى تحاول أن تصور الأمر على أنه مجرد مجموعات من البشر مثيرة «للسجس»، ذلك لأن الأمر قد بات يمس أحوال العباد الحياتية.. ما يعنى ضرورة مراجعة منظومة ما أطلق عليه: «اقتصاد الاستبداد.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern