دستور بعد منتصف الليل

لا أدرى ما وجه العجلة فى إنهاء التصويت الداخلى على نصوص ما أطلقت عليه مبكرا دستور «الغلبة» فى ظل غياب موضوعى لألوان الطيف الوطنى المصرى.لقد حاولت الاجتهاد على مدى الثلاث مقالات السابقة فى تقييم المنتج، فى ضوء الخبرة الدستورية المصرية والقراءة المقارنة للدساتير العالمية وتطور الموجات الدستورية والحقوقية، كذلك الاتجاهات الحديثة فى الكتابة الدستورية.

حيث مجموع ما سبق يبلور لدى المرء ما أطلقت عليه «الحس الدستورى» ويعنى القدرة على الاقتراب من جوهر العملية الدستورية وتقييم المنتج ومدى مطابقته للمواصفات المتعارف عليها فى هذا المقام. وتعبير المنتج عن اللحظة التاريخية التى ارتضى فيها المواطنون أن يشرعوا فى كتابة النص الدستورى… وأقولها بشكل واضح وحاسم إنه وفق «الحس الدستورى» بعناصره الحاكمة التى قاربنا فيها المسودة فإنها لا ترقى إلى التراث الدستور المصرى من جهة، ولا إلى جديد الموجات الدستورية من جهة أخرى… وهنا نتذكر كلمة لناثان براون أحد الذين اهتموا بتاريخ الدساتير العربية قال فيها:

«هدف الدساتير هو تقييد السلطة السياسية وإخضاع من يحكم للمحاسبة وتعزيز سلطة الشعب الذى ناضل من أجل حقوقه…هنا تتحقق الفاعلية للدساتير فتصبح حية بحق ونافذة…لا مجرد دساتير من ورق تخدم فئة بعينها أو نخبة سياسية محددة». وهنا مربط الفرس… لماذا وكيف؟

الفرق بين الدساتير الورقية والحقيقية؟

الدساتير الحقيقية هى دساتير تعبر عن دم الشهداء وجهد المناضلين، على اختلاف مشاربهم من أبناء الوطن الواحد، من أجل تحقيق الاستقلال ضد المستعمر أو إحداث التغيير المجتمعى والسياسى فى مواجهة المستبد والقهر الاجتماعى والاقتصادى. أما الدساتير الورقية فهى تأتى «سد خانة»، خاصة إذا كانت هناك فئة أو جماعة قد استأثرت لسبب أو لآخر بكتابة الدستور. وعليه ليس مهما أن يحافظ الدستور على الانجازات والمكاسب المجتمعية التى حققتها الشعوب من خلال النضال التاريخى، ذلك لأن الذهنية المنحازة للفئة المستأثرة بالكتابة الدستورية ربما على خلاف تاريخى مع ما تم إنجازه فى فترة تاريخية معينة. ومن ثم لا ترى ان ما يكتسبه المواطنون من حقوق يتجاوز المرحلة السياسية ويصبح ملكا للناس.

لاحظ الموقف من الـ50 % عمالا وفلاحين، أو الموقف من تأمين الناس اجتماعيا وصحيا. أو التراجع عن نصوص كانت تكتب بدرجة من التقدم فى دساتير سابقة ووجدناها تتراجع كثيرا على المستويات: المفهومية والتاريخية والدولية، فكتبت بمستوى أدنى. من ذلك النصوص الخاصة بالمحليات، بالمرأة، والطفولة، والعمالة، وحرية العقيدة التى كانت من ضمن مسئوليات الدولة وما يترتب عليها من إقامة الشعائر بلا شروط أو قيود، فتركت بلا مسئولية من أحد ونزلت درجة لتكون حرية الاعتقاد فقط مع وضع شروط يحددها القانون لاحقا ووفق تفسيرات التشريع التى أضيفت سوف يترك الأمر ليس بحسب البناء القانونى المصرى القائم وإنما سوف يحددها التجلى التطبيقى لمعنى التفسير التشريعى والذى أظنه يمكن أن يمتد للسلطة القضائية فى نظر القضايا.

ويتتبع «براون» من خلال دراسته للحركة الدستورية العربية منذ ان عُرفت كتابة الدساتير من خلال النضال الوطنى والسياسى فى مصر، الإشكاليات التى وقعت فيها الكتابة الدستورية. وكيف أن مبدأ الدستورية والذى يعنى لديه تقييد سلطة الحاكم ودعم الديمقراطية كقيمة وممارسة على أوسع نطاق، كان دائما محاصرا بسبب سطوة الحكام وتعزيز سلطتهم السياسية، فباتت الدساتير نصوصا ورقيا غير فاعلة إلا فيما ندر أو بما يخدم فئة.

فعلى مدى القرن ونصف القرن الماضيين، غدا العالم العربى ثريا بالدساتير والتى يعرفها براون بالوثائق التى تنص على الاطار القانونى للحكم دونما أن ينعم بنفس الثراء تطبيق مبدأ الدستورية.

فلقد أخذت هذه الوثائق «تتكاثر»، لكنها لم تعمل على تقييد سلطة الحاكم سوى فى حالات قليلة وفى أزمان قصيرة.

ويبدو لى أن هذه الحالات / الأزمان هى التى كانت فيها حركة نضالية شعبية تعبر عن تطور مجتمعى حقيقى. وبقدر ما يكون هناك تطور مجتمعى وتبلور طبقى بقدر ما يتحرك المواطنون من أجل حقوقهم ومن ثم كتابة نصوص دستورية تعبر عن الحركة النضالية وتضع محددات لحركة المجتمع المستقبلية وفق ما تم انجازه فى الواقع.

وهو يختلف عن وضع الدساتير بشكل فوقى أو نخبوى أقلوى لصالح جماعة أو قوم أو عشيرة أو أسرة حاكمة…الخ، وهنا تصبح الدساتير ورقية بحق أو على احسن تقدير سوف تطبق لصالح فئة بعينها… وهو ما يلزم أن نفرق بين النصوص الدستورية وهل:

تحدث فرقا أم لا؟

تحمل جديدا أم لا؟

تعبر عن التغيير الذى شارك فيه الناس أم لا ؟ أم تعبر عن مصلحة جماعة فى مواجهة وطن أم لا؟

هل تعبر عن الوطن الذى نحلم به أم لا؟

هل استطاع النص الدستورى أن يعكس حلمنا الجمعى كمواطنين؛ أخذا فى الاعتبار أننا مختلفون ولسنا متماثلين؟

الإجابة عن هذه الأسئلة وحدها هى التى تحدد هل الدستور ورقى سكونى لصالح فئة أم فعلى وديناميكى وحى لصالح الوطن؟

الدستور الحركة والدستور النص

لقد كان أستاذنا وليم سليمان قلادة أول من أشار إلى الفرق بين الدستور القانون والدستور البرنامج. حيث الأول يلتزم قانونيا بما حققه المواطنون على أرض الواقع. والثانى هو أمر مرتجى يصنعه حاكم بأن يحضر فقيه متخصص لوضع دستور فيضع أحسن دستور فى الدنيا ولكن الحاكم ديكتاتور أو أن التطور الاجتماعى لا يواكب هذه النصوص أو أنه سيدار من قبل جماعة أى دستور على مقاس فئة بعينها.

لذا ليس غريبا ان يتصور بعض القائمين على «تقفيل» الدستور عن قناعة أن وضع الدستور كان يمكن أن يضعه واحد ولا اثنان من الدستوريين و«نخلص»، وكأنه لا يعلم وهو قانونى أن هناك مقولة شهيرة أن الدستور أكبر من يضعه الدستوريون وحدهم.

وقد كتبنا مرة تطويرا لفكرة قلادة بأن هناك فرقا بين الدستور «الحركة» والدستور «النص»، أو بين الدستور الناتج عن «حركة وطنية ذات انجاز مجتمعى من حيث الانتقال من مرحلة اجتماعية إلى أخرى أفضل.

فى الحالة الأولى: تكون الدساتير حية ونافذة. أما الحالة الثانية: أى دساتير ولى الأمر / الفئة الغالبة، فستكون دساتير من ورق، أو على أحسن تقدير معبرة عن طغمة صغيرة هى القريبة من ولى الأمر (الحاشية) / أو جماعة حاكمة أو ما يعرف بديمقراطية / دستورية (الفئة الغالبة)، والتى سيكون همها هو التركيز على ما هو مؤكد فى الواقع مثل قضية الهوية.

فى الحالة الأولى تجد النصوص الدستورية صادقة وعاكسة للواقع وتوازنات القوة بشكل عادل، كذلك موحدة بين أحلام المواطنين لوطنهم. بينما الدساتير الورقية هى «وثائق رياء» بتعبير أحد الباحثين حيث يتم تجاهل نصوصها (التى ربما تكون مكتوبة على أحسن ما يرام) فتأتى داعمة للسلطوية (يمكن مراجعة القراءة النقدية التى يقدمها براون لدستور 1971 فى هذا المقام، لذا تكتب بليل وعلى عجلة.

وليس غريبا أن الدساتير الورقية تنحو نحو وضع القوانين المفسرة والمفصلة للمبادئ الدستورية لاحقا. والحجة أنه لا داعى لوضع دستور طويل. وتكون النتيجة أننا نجد أن المبادئ الدستورية تكتب على أحسن ما يكون ثم نجد القانون المنظم ينص على قيود تفسد المبدأ الدستورى وتهدمه فى الجوهر.

لا أظن ان دستورا بعد منتصف الليل سوف يحقق الولائية الدستورية بحسب هابرماس من قبل مواطنينا وسوف يكون عامل توتر.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern