التيار الرئيسى فى مواجهة الاستقطاب

أى جهد مدنى يجمع المصريين لابد من دعمه وتشجيعه.لذا تأتى مبادرة الدكتور مصطفى حجازى فى وقتها تماما.إنها المبادرة التى أطلق عليها «مبادرة التيار الرئيسي».هذه المبادرة التى أطلقت فى حديقة الأزهر قبل يومين.ماأهمية هذه المبادرة؟

تأتى أهمية هذه المبادرة فى وقت يهدد فيه الاستقطاب المصريين بعد أن صالحتهم ووحدتهم 25 يناير.لقد ظن البعض بعد «التحرير» أنه آن له أن يستأثر بحصد عائد التحرير وحده دون غيره باعتبار أن ما جرى معركة سياسية لتيار بعينه.لم يدرك هؤلاء أن لحظات التغيير هى لحظات ملك لكل المصريين بغض النظر عن الوزن النسبى لأى تيار سياسى أو فكرى.

لقد كانت كل لحظات التغيير التى عرفتها مصر الحديثة منذ محمد على هى نتاج لجهد المصريين ونضالاتهم .ونتج عن هذه النضالات انجازات أو أهداف تم إحرازها فى شبكة المستعمر والتخلف والظلم.. الخ. ولا يصح أن ننسى هذه الانجازات ونبدأ من جديد كل فترة.ذلك لأن هذه الإنجازات هى التعبير عن الجهد الجمعى للمصريين حيث تحركوا معا وناضلوا سويا وأسسوا النهضة والحداثة معا.

لقد كانت هذه الانجازات تعبير عن مولدهم الحر عبر التاريخ، وما نضالاتهم إلا تعبير عن محاولة المصريين أن يحافظوا على حريتهم حيث نجحوا تارة وأخفقوا تارة.

وعليه فإذا كان 25 يناير قد جدد نضالات المصريين دون تمييز وأوجد مصالحات عدة طبقية وجيلية ودينية..الخ، كما جدد ـــ ضمنا ـــ انجازات المصريين عبر الدولة الحديثة بما فيها الحداثة ذاتها.فإنه لابد من توثيق ذلك ودعم الذاكرة الجمعية ألا تنساه.من هنا كانت وثيقة التيار الرئيسى كيف؟

التيار الرئيسى وعاء يضم كل المصريين بغض النظر عن المعتقد أو الأيديولوجية يؤكد على ما أهم ما يميز الوطن من ملامح وسمات والتى بدونها لا تصبح مصر مصرا.كما يصون هذا التيار ما أنجزته الخبرة المصرية من انجازات.كما يعلى هذا التيار من المصلحة العامة «للوطن الذى نحيا فيه جميعا فوق الجميع وفوق أى مصلحة شخصية لأى تيار أو حزب أو جماعة أو حزب أو جماعة أو طائفة». التيار الرئيسى هو بمثابة النهر الذى يسبح فيه المصريون بحرية معا برغم من الاختلاف، هدفهم أن يصلوا بالوطن إلى بر الأمان برغم من أنهم غير متماثلين.يحدث هذا بكل حرية لذا الشرط الرئيسى لإنسان التيار الرئيسى أن يكون حرا وهكذا تتحقق المصرية.

لقد عشنا عقودا منصرفين إلى دوائر الانتماءات الأولية حيث تخندق كل منا إما فى عزوته أو عشيرته أو طائفته أما الآن فلقد باتت هناك ضرورة لأن نبحث عما يجمعنا ويضمنا وأن نجدد فكرة الوطن الجامع لأن هذا هو السبيل للنهضة و الحداثة. فمصر الأوطان المتعددة والجزر المنعزلة تعوق التقدم إلى الأمام. فمصر الاستقطاب تحول دون النهضة. ومصر التى تخاصم الدولة الحديثة والحداثة تؤدى بنا إلى مصر أخرى لا نعرفها.

التيار الرئيسى هو:

• مجال حيقى للمصالحات وتحويل الخلافات المدمرة إلى اختلافات بناءة.

• ومساحة للتفاهمات التى يعبر عنها كل مواطن كيفما يريد لأنه إنسان حر.

• وتأسيس لثقافة البناء المشترك.

الخلاصة أن التيار الرئيسى بوصلة تحدد حركة الوطن وتمنع أى أحد أن ينحرف به إلى عكس السير أو إلى دروب خاصة تتعارض وقيم التيار الرئيسى، أخذا فى الاعتبار أن العلاقة بين الذات والآخر من العلاقات المركبة، على المستويين الفردى والمجتمعى، فالذات التى لم تتجاوز حدودها، مهما كان ثراء هذه الذات ومهما حملت من خبرات، تظل فى حاجة كيانية ـ ماسة ـ أن تعبر هذه الحدود انطلاقاً من احتمالية أن الآخر قد يحمل ثراء وخبرة لم تعرفها أو قد تدركها الذات من جهة، وأن استمرار الذات فى الوجود يعتمد إلى حد كبير على اختبار ما لدى هذه الذات من غنى وخبرة بالتفاعل أو باكتشاف ـ على الأقل ـ ما لدى الآخر من جهة أخرى. والآخر ـ بحكم التعريف ـ هو مغاير للذات، ويظل منطقة تحتاج للإدراك، والذات فى عملية خروجها إلى الآخر ــــ اكتشافا ــــ إنما تعيد اكتشاف نفسها، وربما تبدأ فى إدراكها. والذات لا يمكن أن تكون «ذاتا» إلا بوجود الآخر.

اذن هناك علاقة «شرطية» و «جدلية» فى آن واحد بين الذات والآخر، وهذه العلاقة غاية فى التعقيد، حيث يصبح الآخر شرطاً لتحرر الذات من «ذاتية عمياء» لاترى إلا نفسها ـ وربما لا تراها ـ ومن ثم تحمل نهاية لصيرورتها، وهنا يكمن البعد الشرطى فى العلاقة . وفى نفس الوقت فان تحرر الذات من حدودها والخروج إلى الآخر إنما يعنى التجدد بادراك نقاط القوة لدى الآخر والتى تعنى نقاط الضعف لدى الذات ما يعنى تحقق البعد الجدلى فى العلاقة، والعكس صحيح بطبيعة الحال . هذا بالإضافة إلى تصحيح الصور النمطية أو الرؤى السابقة التجهيز التى يشكلها كل طرف من الطرفين – الذات والآخر – عن بعضهما البعض.

هذه العلاقة لن تحدث إلا بان يعبر كل منا للآخر فى إطار تيار رئيسى يحافظ على ما تم انجازه فى دولتنا الحديثة وما تم انجازه فى 25 يناير ويتحرك نحو المستقبل.

وبهذا يصبح التيار الرئيسى هو الحاضن لمواطنى مصر برؤاهم المختلفة، والجامع لكل ألوان الطيف المصرى، والدافع لكل جهد دون استبعاد. بهذا تكون مصر محلا للسعادة المشتركة كما قال الطهطاوى.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern