المسألة الاجتماعية/ الاقتصادية الغائبة

(1)

لماذا تحرك الناس فى 25 يناير؟…تحركوا لأنهم غير راضين عن أحوالهم المجتمعية، ولأنهم يعانون من التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بدرجة أو أخرى، وللانسداد السياسى /المدنى أمامهم، وللتعريض بهم وإهانتهم. وبلغة أخرى، لأنهم ليسوا شركاء فى اقتسام الموارد العامة للبلاد من جهة، ولا المشاركة فى إدارتها سياسياً من جهة أخرى. تحركوا طلباً للحرية والعدالة والكرامة.

وعندما يبدأ الناس ينظمون أنفسهم كى يعبروا عن احتجاجاتهم ورفضهم الأمر الواقع فإن على السلطة أن تعى وتستجيب. تعى أن هناك مسألة اجتماعية/ اقتصادية، ولابد من الاستجابة لحلها. وأن السبب فى وجود هذه المسألة هو وجود شبكة مصالح أو طبقة أو قلة حاكمة تحتكر وتستأثر بالثروة والسلطة لنفسها، دون الأغلبية.

(2)

وقد كانت كل الحركات الاحتجاجية المتصاعدة والاعتصامات الفئوية البازغة، قبل 25 يناير بخمس سنوات ـ تقريبا ـ تسعى للتغيير، فى إطار ما هو قائم. وأذكر أن عنوان مداخلتى فى مؤتمر المواطنة، الذى نظمته حركة كفاية فى مؤتمرها الأول (يناير ـ 2006) هو: «لا إصلاح بغير المواطنة». وأظن أن سقف الأطروحات المختلفة فى هذه الفترة كان يدور حول هذا الأمر. وهو ما يعنى القبول بشرعية ما هو قائم، شريطة إحداث الإصلاحات مع القبول بشراكة نسبية. بيد أن «25 يناير» جاءت لتكشف لنا أن التأخر فى تحقيق الإصلاحات فى حينها يؤدى إلى تعلية سقف المطالب ليصبح إحداث تغييرات جذرية، خاصة وقد تكشف إلى أى مدى باتت أحوال البلاد سيئة ومتهالكة. لذا فإن «25 يناير» قد كشفت بوضوح عمق المسألة الاقتصادية/ الاجتماعية، وضرورة التعاطى معها وسحب الشرعية من السلطة القائمة لفشلها فى معالجة هذه المسألة.

أى حدث تحول من المطالبة بـ«تغيير فى إطار ما هو قائم» إلى «تغيير ما هو قائم».

(3)

إلا أن ما حدث هو إسقاط رأس النظام دون البناء الاقتصادى/ الاجتماعى، الذى أدى إلى الواقع الذى تم رفضه من قبل المواطنين المصريين. ويبدو لى أننا نتحرك نحو تجديد دماء نفس شبكة جماعة المصالح التى أدت إلى ما نحن فيه، فى ظل نفس التشريعات ونفس التوجهات الاقتصادية…إلخ، خاصة مع غياب رؤية واضحة للتعامل مع المسألة الاجتماعية/ الاقتصادية، وهو ما سوف يفاقم يوما بعد يوم تنامى العصيان المدنى وتزايد الممارسات «العُنفية» التى تنتشر فى ربوع البلاد، لأن الشعور السائد هو أن السلطة الجديدة لم تحمل لهم رؤية لحل المسألة الاجتماعية/ الاقتصادية، لأنها معنية برؤية لا تتجاوز مصالح من تمثل. ونشير هنا إلى أن الخبرة التاريخية تقول إن: «الثورات/ الانتفاضات التى لا تلتفت إلى الحاجات الضرورية الملحة للناس فإنها تؤدى إلى تفاقم الأوضاع». إن عدم الالتفات إلى المسألة الاجتماعية/ الاقتصادية يؤدى إلى الهلاك. والأمر أكثر تعقيدا من مجرد استثمارات متفرقة أو بيع أراض أو إجراء انتخابات تأتى مرة أخرة بنفس المصالح.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern