الخطاب الدينى والفقراء: انحياز أم وصاية؟

استوقفنى خبر مفاده كيف أن مجموعة دينية متشددة أشبعت شاباً وشابة «مكتوب كتابهم» بالضرب، ذلك لأنهما يجلسان أمام «كورنيش» النيل، يتجاذبان أطراف الحديث غالباً حول أحلامهما البسيطة ويتقاسمان طعام الفقراء: «السميط والدُّقة». وهنا كان سؤالى: هل ينحاز الخطاب الدينى إلى الفقراء عندما يختلسون لحظة سعادة من الزمن والواقع، أم يكون لهم بالمرصاد ويعلن الوصاية عليهم؟

(1) وفى هذا الإطار أيضاً تابعت مَنْ انطلق يعلن أنه بصدد الإعلان عن تأسيس أحزاب تنطلق من مرجعية دينية. وفى تفسير ذلك تجد أحاديث لا تخرج فى المجمل عن النواهى والمنكرات التى لا تتجاوز الأخلاقى. ولا تجد قط أى كلام حول إشكاليات الحياة اليومية التى لا يمكن أن تنفع فيها الصياغات العامة الهادية، وأقصد بها الإشكاليات التى تتعلق بشأن العلاقة بين المواطنين بحسب وضعهم الاجتماعى والطبقى، وبحسب مصالحهم فى الجسم الاجتماعى، حيث يأتى الحديث وكأن الرابطة الدينية تلغى مثل هذه الأمور وتجمّدها. وفى المجمل لا تجد الخطاب الدينى أنجز ما يجب أن ينجزه فيما يتعلق بالقضايا المطروحة.

(2) المفارقة أنه بمراجعة نوعية الاجتهادات الدينية التى عرفتها الخبرة المصرية نجد مثلاً كيف كان الإمام الفقيه المصرى الليث بن سعد (المولود فى قرية قلقشندة، من أعمال مركز طوخ، بمحافظة القليوبية منتصف القرن الثامن الميلادى سنة 93هـ) لديه الحس الاجتماعى الكبير، وكيف كان يعطى الأولوية للقضايا الكبرى. وعن إقامة العدل بين الأغنياء والفقراء كان يقول: «على صاحب الأرض أن يعمل فيها أو يستغلها بالمزارعة ويقسم الثمرات بينه وبين العاملين، فله نسبة منها لا تجحف حق العاملين ولا تظلمهم». وحول احتفاظ الحكام بالمال كان ينادى دوما بأنه: «ليس من حق أحد أن يحتفظ بمال إلا إذا بلغ الناس حد الكفاية، والحكام وولاة الأمور مسؤولون أمام الله أن يوفروا للناس جميعا: (حد الكفاية) لا (حد الكفاف)».

(3) ويزيد الإمام الليث فيفرّق بينهما فيقول: «(حد الكفاف) هو ما يحفظ للناس حياتهم من الطعام والشراب، أما (حد الكفاية) فهو ما يكفى كل حاجات الناس من جودة الطعام والشراب والمسكن الصالح المريح، والدواب التى تحملهم، والعلم الذى ينقذهم من الضلال، وسداد ديونهم، وكل ما يوفر الحياة المريحة الكريمة للإنسان». وحول الفساد يقول الليث بن سعد: «إذا دخلت الهديّة من الباب خرجت العدالة من النافذة».

(4) ومن جانب آخر نجد الدسقولية (أحد مصادر القانون الكنسى القبطى، ولقد فقدت نسخته اليونانية والقبطية وصارت النسخة العربية حالياً هى النسخة الأم، وقد قام المفكر الكبير الدكتور وليم سليمان قلادة بجهد ضخم لمراجعة وتحقيق النص «استغرق هذا الجهد 20 عاماً»، كما قام بتقديم النص «حوالى 600 صفحة» بدراسة اقتربت من 300 صفحة من القطع الكبير) تشجب المهنة غير الشريفة، ولا يقتصر الأمر على التعليم الخلقى، بل تتدخل بإجراءات فعالة فى هذا المجال، وتطلب عدم قبول عطاء (صدقة) من الذين لا تخلص أموالهم من «الخطايا» مثل:

– الذين يغشون السلع التى ينتجونها أو يبيعونها.

– من يمارس الاستغلال والقهر.

– من يستقوى على الضعفاء المهمشين.

فكل هؤلاء عطاياهم مرذولة أمام الله، أى غير مقبولة – بحسب نص الدسقولية – وتوصى رجال الدين من «الذين يعملون الشر لعبيدهم بالمجاعة والشتم والعبودية الشريرة.. وأرفض الأشرار والولاة الذين يجاهدون بالظلم وصانعى الأوثان، والعشارين والغاصبين والسُرَّاق والمضلين بالميزان والذين يكيلون بالغش.. ومن يأخذ الربا…». (لمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة دراستنا: أمن الإنسان من وجهة نظر المسيحية الشرقية.. ورقة خلفية لتقرير التنمية الإنسانية فى الوطن العربى 2008).

(5) ويستمر الخطاب الدينى فى اجتهاده بنوعيه الفقهى واللاهوتى تاريخياً، بيد أننا ومنذ فترة لا نكاد نسمع هذه النوعية من الاجتهادات المتجاوزة خطاب النواهى إلى الاشتباك الحقيقى مع إشكاليات الواقع من أجل الإنسان وبخاصة الفقراء والمهمشون، بل ربما نجد من يركن إلى تبرير الواقع والتحالف مع الثروة وإعادة إنتاج واقع مرذول تم التمرد عليه والتمسك بتدين شكلى ذروته وصايا على المستضعفين دون إحداث تغيير حقيقى فى الواقع، ذلك لأن هذا يحتاج قدراً من الاجتهاد والحفاظ على مدنية المجال العام وحركيتها المجتمعية التى تتراوح فيها المصالح بين مختلفين.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern