بريجنسكي ورؤاه الإستراتيجية

استكمالا لحديثنا عن الحرب الهادئة‏,‏ وهي الحرب التي تسم العلاقات الدولية الراهنة‏,‏ وتعكس معادلة جدلية‏,‏ بين التعاون الاقتصادي المكثف بين الدول‏,‏ إلا أنها لا تمنع التنافس الجغرافي السياسي‏..‏ نشير إلي كتاب الرؤية الاستراتيجية‏,‏لزبيجنيو بريجنسكي‏,(2013).‏

ويحتل هذا الكتاب الآن ـ أهمية كبيرة جدا( مثل كتاب الحرب الهادئة لناحوم فيلدمان), وذلك لسببين هما: الأول هو أن كاتبه هو بريجنسكي الذي عمل مستشارا للأمن القومي الأمريكي في إدارة كارتر, وهو الأكثر إبداعا في تقديم رؤاه الاستراتيجية للدور الأمريكي العالمي من جهة, وللتحولات الكونية من جهة أخري. حيث تتسم كتاباته الاستراتيجية بالخيال المبدع والابتكار في تجديد الاستراتيجيات بما يخدم المصلحة القومية الأمريكية, منذ كتاب: بين عصرين: الاستراتيجية الأمريكية في العصر التكنوتروني, الذي ترجمه المناضل والمفكر المصري الكبير محجوب عمر في السبعينيات, إلي كتابه الأخير: الرؤية الاستراتيجية, مرورا برقعة الشطرنج, والاختيار, والفرصة الثانية, حيث يجد القارئ خيطا ناظما يربط بينها. ما وضع بريجنسكي في مكانة تجعله أن يتجاوز دوره المهني الذي ركن إليه أقرانه ممن احتلوا منصب مستشار الأمن القومي في أمريكا,إلي ممارسة دور المنظر والمفكر الاستراتيجي. أما الأمر الثاني هو أن مضمون هذا الكتاب يعد دليلا جيدا لفهم ما جري من تحولات كونية عقب الأزمة المالية العالمية التي اجتاحت المنظومة الرأسمالية في2008 وإلي الآن, وفي ضوء ذلك يضع رؤيته الاستراتيجية المستقبلية. ومن خلال مجموعة من الملاحظات نقدم مضمون الكتاب.


الملاحظة الأولي, وكعادته, يسمي الأمور بمسمياتها,فالعنوان الأول في الكتاب يتحدث عن:الغرب المتراجع أمام القوي الكونية الجديدة, وهو ما يعني ضرورة الاعتراف بأن هناك حقيقة جغرافية ـ سياسية جديدة قد تبلورت. يوجزها في الآتي: إننا أمام انتقال حقيقي لمركز ثقل القوي الكونية وللديناميكية الاقتصادية, انتقال من الغرب إلي الشرق ومن الأطلنطي إلي الباسيفيك. ويدل علي ذلك برصد تاريخي للامتدادات الإمبراطورية المختلفة: البيزنطية, العثمانية, الأوروبية, الأمريكية, والآسيوية. كذلك نصيب هذه الإمبراطوريات من الكعكة الاقتصادية العالمية وحجم التبادلات التجارية عبر العصور. ويصل إلي مربط الفرس ألا وهو الصين باعتبارها القوة القادمة مع تحفظات.


الملاحظة الثانية, في إطار عرضه التاريخي التمهيدي, يقترب من وضع يده علي ما جري من تحولات أعادت تشكيل المنظومة العالمية, أخذا في الاعتبار البعد الاقتصادي العالمي, وهو ما يهمله كثير من الكتاب الأمريكيين. نقطة البدء لديه هو أن أمريكا قد أهدرت الانتصار العسكري في حرب الخليج سياسيا, وعلي الرغم من توسع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي وبخاصة في أوروبا الشرقية, وانطلاق العولمة كتعبير عن النظام العالمي الجديد بإنشاء منظمة التجارة العالمية وتجديد أدوار المؤسسات الاقتصادية العالمية مثل: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لإنقاذ دول العالم الثالث والرابع, في الفترة من منتصف التسعينيات من القرن الماضي إلي عام2007, فإنه يشير إلي أن الأزمات العالمية المالية قد أطلقت إبداعات إقليمية مقاومة وبخاصة في آسيا ومن خلالها صعدت الصين كلاعب اقتصادي عالمي رئيسي لتصير مركزا لاتفاقات التجارة الإقليمية مع البلدان الفقيرة. كما لعب تولي فلاديمير بوتين السلطة في روسيا إلي إحياء روسيا الإمبراطورية برؤية جديدة أكثر تعقيدا من الإمبراطورية القيصرية والسوفيتية(راجع دراستنا عن الروس القادمون), وأخيرا تواكب مع ما سبق صعود مجموعة من الدول بعد منتصف العقد الأول من القرن الجديد مثل: الهند, والبرازيل, وماليزيا, وجنوب إفريقيا,…الخ. وفي المحصلة يري بريجنسكي كيف أن الحاجة موضوعية للقبول بالقوي الجديدة. ولكن علي أي أسس.


الملاحظة الثالثة, يعترف بريجنسكي بالحضور الصيني المتسارع والذي يتفق كثيرون علي أنها يمكن أن تكون القوة العظمي بعد2025, إلا انه لا يتفق مع ما يخلص إليه هؤلاء, وغدا ما تم سوف يصيب العالم بوضع كارثي. ويدلل علي ذلك بشرح مفصل لسلبيات النموذج الصيني من عدم قدرته علي تعميم نموذجه عالميا بالرغم من الانجازات التي بلغها التي منها: زيادة التجارة بين الصين والقارة الإفريقية1000% من10 مليارات دولار عام2000 إلي110 مليارات دولار قبل2010, إلا أن الوعي المتراكم لدي العمال الصينيين يشير إلي بدء إدراكهم إلي انخفاض أجورهم مقابل ما يقومون به من أعمال مقارنة بأقرانهم في أماكن اخري. هذا بالإضافة إلي أن التحول السياسي من دولة شمولية بامتياز إلي سلطوية قومية تعمل طبقا لرأسمالية الدولة ربما يكون لها أثارها الجانبية. وعليه لا يمكن للصين ان تكون بديلا لأمريكا من جهة ولا للعب ادواركونية بمفردها. ويبقي السؤال ما الحل في نظر بريجنسكي؟ يجيب: توازن جغرافي سياسي جديد. كيف؟. هذا ما نفصله الأسبوع القادم.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern