فقيه الدولة الوطنية الحديثة

كتبت علي مدي ثلاثة مقالات عن فلسفة الكتابة الدستورية‏.‏ وبدأت تقديم نماذج من دساتير الموجة الرابعة أو الجيل الرابع من الدساتير في العالم وبدأنا بالدستور البرازيلي‏

وكنت أنوي الكتابة عن دساتير تركيا وجنوب إفريقيا وماليزيا والهند علي التوالي وبالأخير أوجز الخلاصة في دليل للكتابة الدستورية…ولكن لسبب أو لآخر رأيت تأخير ذلك لأسبوع.
ذلك بسبب اللحظة الفارقة التي نمتحن بها. لحظة تتهدد فيها دولتنا الحديثة الوطنية ذات المركب الثقافي/ الحضاري المتعدد العناصر. تهديد موجه لمقومات الدولة الحديثة الوطنية من: مؤسسات, وابداعات وذاكرة مدنية, وأجهزة,.إلخ. والأخطر هو محاولة فرض نموذج ديني لم تعرفه الخبرة المصرية. يعتمد هذا النموذج علي فقه ما قبل الدولة الحديثة البسيط في تركيبه:قبلي, عشائري..الخ. مجتمع لم يختبر بعد جديد التطور المجتمعي وكأن مصر تبدأ من جديد. وهنا ألح علي الإمام محمد عبده سليل الإمام الليث بن سعد الفقيه الموسوعي البارز. لماذا الإمام محمد عبده لأنه استطاع أن يعبر عن إسلام الخبرة المصرية بتعقيداتها وبتراثها المركب من جانب وأن يأخذ في الاعتبار جديد العلم الحديث والتطور الذي طال مصر منذ.1805 فكان بحق ذروة فقهية سقفها عال يتميز بما أسميه البراح أو اليسر الدافع للتقدم. لقد كان الإمام محمد عبده يعبر عن مدي التطور الذي كانت الدولة الحديثة تناضل من أجله. ويبدو لي أنه كانت هناك حالة جدلية بين مواطنين يناضلون في تأسيس دولة حديثة وطنية مستقلة, ويقيمون مؤسسات حداثية في شتي المجالات تواكب هذه المهمة وبين فقه عصري يعبر عن تطلعات هؤلاء المواطنين ودولتهم الحديثة قيد البناء.


لقد قدم الإمام محمد عبده منهج المصلحة العامة في تفسيراته القرآنية وفي فتاويه العامة…مؤكدا أن الشريعة قد راعت مصلحة الوطن, وأن الأحكام تتغير بتغير الزمان. هدفها ضمان السعادة في المعاش والمعاد. وأن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ, وأن الضرورات تبيح المحظورات, وأن المشقة تجلب التيسير. وأن الأمر إذا ضاق اتسع, الخ.( راجع عبد الله شحاتة في منج الإمام, وفايز محمد حسين في المسلم المعاصر). وفي هذا السياق تناول الإمام كثيرا من القضايا ـ التي كنا نظن أنه قد تم حسمها مطلع القرن العشرين ـ مثل: طبيعة السلطة السياسية, وطبيعة المجال العام, وفي طبيعة الحوار مع المختلفين, وفي رؤيته للعالم والعلم,والمدنية, والنهضة, وعنايته الشديدة بالفقر والفقراء, ومقاومته الجمود والتخلف..الخ. فعلي سبيل المثال لا الحصر نشير إلي أمرين هما:


أولا: طبيعة السلطة السياسية;كان الامام محمد عبده رافضا أن يكون نصيرا لقيام سلطة دينية في المجتمع بأي وجه من الوجوه وفي هذا المقام كان يقول إنه ليس في الإسلام سلطة دينية,سوي سلطة الموعظة الحسنة. وأن أصلا من أصول الإسلام قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها.. وأن الحاكم مدني من جميع الوجوه(الأعمال الكاملة: ص106)…
ثانيا:المجال العام;نشير إلي أن المجال العام كان مجالا للقاء المصريين دون تمييز في إطار عملية الاستقلال الوطني وبناء الدولة الحديثة,حيث اتسم هذا المجال بأنه زمني/ نسبي/ مدني السمات لا يمكن وصفه بانهثيوكراتيك( أي ديني) بحسب الإمام محمد عبده. ولا ينفي الإمام وجود السلطان الديني والسلطة الدينية عن القيادة السياسية العليا للمجتمع فحسب, بل وينفي اعتراف الإسلام بها أو إقراره لها بالنسبة لأي مؤسسة من المؤسسات التي تمارس سلطة من السلطات. ويقول الإمام:إن الإسلام لم يجعل لهؤلاء أدني سلطة علي العقائد وتقرير الاحكام, وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قدرها الشرع الإسلامي,ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعي حق السيطرة علي إيمان أحد,أو عبادته لربه,أو ينازعه في طريقة نظره…(الأعمال الكاملة).


ونشير إلي موقفه من الأحزاب في ضوء صياغته لبرنامج الحزب الوطني المصري سنة1881 لتؤكد هذا التوجه.ففي المادة الخامسة من هذا البرنامج يقول:الحزب الوطني حزب سياسي, لا ديني,( أي ليس حزبا دينيا. وليس بمعني أنه ضد الدين, تعليق د. محمد عمارة في الجزء الأول من الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده,ص109), فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب,وجميع النصاري واليهود, وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم لغتها منضم إليه,لأنه لا ينظر لاختلاف المعتقدات, وأن حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية, وهذا مسلم به عند أخص مشايخ الأزهر.
أظنني لم أبتعد كثيرا عن مقالات الكتابة الدستورية. وفي نفس الوقت لفت النظر إلي ضرورة استعادة وربما الالتزام بذروة فقهية/ حضارية وصلنا إليها من خلال الإمام محمد عبده انحرفنا عنها بما هو دونها.. ونتابع.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern