الســــيطرة الصــــامتة‏...‏

السيطرة الصامتة تعبير ساد لوصف ما فعلته الشركات الاحتكارية الكبري في شتي المجالات أو حكام العالم الجدد لإحكام قبضتهم علي مصير العالم منذ سنة‏…1979‏ وهي السنة التي انطلقت السياسات الاقتصادية المعروفة بالليبرالية الجديدة‏

وتحت مظلة هذه السياسات انطلقت هذه الشركات الاحتكارية تتحكم في العالم بهدوء… لقد تعلمت الدرس منذ أزمة1929 المعروفة بأزمة الكساد الكبري والتي أشارت بوضوح إلي أن مسار الاقتصاد العالمي لا يحقق المساواة للبشرية بل يجنح بوعي للانحياز إلي قلة ثروية ما يعني التفاوت والاختلال ومن ثم بدأت مرحلة البحث عن المساواة. كما أوضحنا في المقال السابق ـ بفضل انتفاض عدد من الاقتصاديين من داخل المنظومة الرأسمالية( علي رأسهم كينز) من أجل تصحيح هذا الجنوح وإعادة التوازن بعض الشيء للاقتصاد العالمي/ الرأسمالية العالمية من خلال سياسات توفر المساواة…مع مطلع السبعينيات, وفي مواجهة الممارسات التنموية ذات الطابع الاستقلالي والتي تهدف إلي تحقيق نموذج تنموي مستقل بعيدا عن سطوة الرأسمالية العالمية مثل: نموذج تشيلي مع سلفادور الليندي, ونموذج مصر التي يمكن من حصيلة تجربة تنموية ذاتية في التصنيع والتصدير, بالإضافة إلي حرب1973 والتي عكست قدرة ذاتية وطنية ما يعني أن تنجح دولة من دول الانحياز الإيجابي أن تصنع شيئا مغايرا…وهو ما ووجه برؤية مضادة دعمتها تغيرات جذرية في مجال النفط والجغرافيا السياسية…أدت في المجمل إلي مارأيناه في1979 وهو ميلاد السيطرة الصامتة حسب نورينا هيرت,أو مرحلة زالمساواة المهدرة كما أشرنا من قبل, وحدوث تحول جذري كوني توافق فيه أصحاب المال والثروة علي أن هناك: حدودا للمساواة, وأن الدولة لاينبغي أن تتدخل في شئون الاقتصاد وأن تتركه للسوق…… وأن الديمقراطية هي نتاج سياسات السوق… ومن ثم لابد من الاتجاه إلي اقتصاد السوق والخصخصة ورفع الدعم عن السلع الأساسية وتصفية الضمانات و الخدمات الاجتماعية التي علي الدولة أن تؤديها علي الأقل بالنسبة للفقراء حتي تؤمن قدرا من المساواة بين المواطنين وتقلل قدر الإمكان التفاوتات الاجتماعية…والنتيجة أن ذهبت هذه السياسات النيوليبرالية بفكرة العدالة الاجتماعية وفي القلب منها المساواة والتي هي أحد ملامح المكونات الأساسية للمواطنة.


وعليه تم تقييد أيدي الحكومات وتم الاعتماد علي الشركات في إدارة العملية الاقتصادية الكونية…وهنا مربط الفرس أو الكلمة المفتاح لهذه المرحلة: الشركات…فلقد غدت الحكومات ـ بحسب أحد الباحثين ـ أشبه بحكام الألعاب الرياضية… يحكمون هذه الألعاب وفق قواعد تحددها الشركات الاحتكارية الضخمة تحت شبكة مكثفة من القوانين تتضمن تسهيلات غير مسبوقة في مجال الإجراءات وتيسيرات ضرائبية وامتيازات تشجيعية زادت موارد الشركات علي موارد الدول وعلت مرتبة رجال المال والأعمال علي مرتبة رجال السياسة… وأصبحت فيه الشركات الاحتكارية الكبيرة تتحكم في مصائر الناس بسبب اكتسابها سلطانا كبيرا علي كثير من جوانب حياتهم…وتم فتح الأسواق أمام الشركات الاحتكارية بأشكالها المتنوعة والتي من جانبها استطاعت أن توجد ما اسميه شبكات امتياز مغلقة احتكارية محلية من جانب,وأن تلبي احتياجات البيروقراطية المحلية وذلك بإفساد بعض من عناصرها لتمرير مشروعاتها من جانب آخر…


ويكفي أن نشير إلي أنه تبين أنه مع مطلع الألفية الجديدة, أن97% من الزيادة في الدخل ذهبت لأغني20% من العائلات خلال العشرين سنة السابقة…هذا بالإضافة إلي زيادة معدل البطالة…إلخ…وتطبيق سياسات ضريبية تمنح الأغنياء الإعفاءات وتلزم الطبقة الوسطي بالمزيد من الالتزامات التي أدت إلي محنة لهذه الطبقة التي تعد العامود الفقري للمجتمعات…


لم تكن هذه العقود الأربعة( من1970 إلي2009) خالية من الأزمات الاقتصادية ولكن بنفس منطق السيطرة الصامتة لتمرير السياسات النيوليبرالية أمكن شغل الناس عن مخاطر هذه السياسات من خلال سياسات تحويل النظر… لذا ليست صدفة أن بات هم الحكومات( خلال فترة هدر المساواة) إبعاد المواطنين عن السياسة…فالحرية باتت مكفولة في المجال الاقتصادي والتقييد للمجالين السياسي والمدني… وأن يوظف التعليم لتكوين الفرد المؤمن باقتصاد السوق: المضارب/ المستهلك/ الزبون لا المواطن كامل الأهلية الذي له حقوق وقادر علي المحاسبة والمراجعة والقدرة علي رفض السياسات التي تضر بالصالح العام… نجح حكام العالم الجدد زالشركات الاحتكاريةس أن تسيطر بهدوء وفق مجموعة من المبادئ تم تسويقها عبر جيلين علي الأقل…نكشف عنها في مقالنا المقبل…

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern