لا تقدم بغير العدالة الاجتماعية

تشير القراءة المقارنة للدول التي قطعت أشواطا في التقدم‏,‏ إلي أنها لم تستطع تحقيق التقدم دون أن تضع العدل الاجتماعي ضمن حزمة التقدم المركبة‏.‏والتحرر بالكامل من روشتة المؤسسات الدولية المالية العتيقة التي كانت توصي بالأخذ باقتصاد السوق والخصخصة‏

. لنأخذ دولا لاتينية مثل: البرازيل, وتشيلي, وأوروجواي,وكوستاريكا.أو دولا آسيوية مثل: الهند, وماليزيا, وفيتنام,…إلخ. فسوف نجد كيف أن العدل الاجتماعي كان أحد الأركان الأساسية لمشروع التقدم. ويلاحظ القارئ الكريم أننا لم نذكر اليابان ولا الصين ولا كوريا…ذكرنا دولا كنا نسبقها يوما, ولكنها انطلقت ولم يعد هناك ما يعوق انطلاقها الذي بات بغير حدود…
تم هذا باتفاق كل القوي السياسية ـ دون تمييز ـ من ليبراليين, واشتراكيين ديمقراطيين, ودينيين, وماركسيين. الكل اتفق علي أن تحقيق العدل الاجتماعي هو المهمة الأولي, وذلك بمكافحة الفقر وتأمين الرعاية الصحية والتعليم وتوفير الخدمات الأساسية وإتاحة فرص عادلة بين الجميع.وكان المدخل لذلك هو التوزيع العادل للثروة الوطنية بين جميع المواطنين, ولأن التوزيع العادل للثروة لا يكفي وحده لإنجاز التقدم فإن التصنيع من جهة, والمشاركة العملية في التطور التكنولوجي هما الكفيلان بتحقيق التقدم. إنها حزمة متكاملة ومتجربة.


لذا فان التركيز علي أهمية مواكبة التطورات التكنولوجية في شتي المجالات مكن البرازيل من أن تكون لاعبا أساسيا في مشروع الجينوم الوراثي المهم,وأن تكون تشيلي في الترتيب التاسع في مجال تكنولوجيا المعلومات,وتشير التوقعات إلي الحصة المتزايدة للقارة اللاتينية في معدل الاستثمارات في مجال تكنولوجيا المعلومات الذي يبلغ ما يقرب من150 مليارا من الدولارات( إجمالي الاستثمارات العالمية تزيد علي200 مليار دولار),ويشار إلي أن كوستاريكا نعم كوستاريكا تأتي بعد الصين والهند في قائمة مصنعي السوفت وير, والرقائق الالكترونية الدقيقة, واستحقت أن يطلق عليها الجمهوريات الرقمية بدلا من جمهوريات الموز.


وعليه وبمراجعة تجارب البرازيل وتشيلي وأوروجواي تم خفض نسبة الفقر من4% إلي15% في تشيلي, وزاد معدل النمو إلي أكثر من8% في المتوسط,وارتقت نوعية التعليم وقويت الطبقة الوسطي.
هذه الرؤية تجاوزت الرؤية البدائية في أن العدالة تتحقق عن طريق النشاطات الخيرية أو التوسع في نظم الإحسان علي أهميتهما الدينية والإنسانية والإخلاقية. إلا أن: الخيرية والإحسان, وحدهما لا يستطيعان بناء التقدم. فالأوطان تتقدم من خلال ما يمكن أن نطلق عليه التحول المركب, الذي يقوم علي: الزراعة والصناعة والتكنولوجيا وفق قواعد العدل والمساواة التي تساوي بين كل المواطنين دون تمييز.


وفي هذا المقام نشير إلي أنه تم القيام بدراسات علمية ـ في عدد من البلدان ـ تهدف إلي التمييزالدقيق بين السياسات الاجتماعية القائمة علي دمج المهمشين والمستبعدين والذين يعانون التمييز لأي سبب لاستعادتهم إلي قلب المجال العام والسياسي وتمكينهم بشتي الوسائل والطرق, وبين السياسات الاجتماعية التي تقوم عليالخيرية والمنح والهبات والعطايا مع بقاء الأمر الواقع علي ماهو عليه والتي يتم اللجوء إليها استسهالا أو إذعانا أو… الخ, ومن الأهمية بمكان أن نذكر أن نجاح مشروع التقدم في كل هذه الدول دون استثناء, علي اختلاف الهوية الثقافية لكل منها, قد قام علي عدد من المحاور العملية التي تجسد العدل عمليا وذلك كما يلي:
تأكيد تمكين الناس, كل الناس, وان كل مواطن لديه ما يمكن أن يقدمه في مشروع التقدم. لذا فالكل مدعو للمشاركة دون تميز. وتم ذلك من خلال ابتكار آليات للدمج الاجتماعي لكل فئات المجتمع النوعية, بما يضمن احترام الخصوصيات الثقافية. العناية بوضع سياسة تنموية شاملة تبدأ بالمناطق الأكثر فقرا والأقل تنمية.فلا يتم حرمان أحد من ثمار مشروع التقدم. وتم تدعيم اللامركزية, بما يضمن تحقيق الديمقراطية الاجتماعية القاعدية ـ إن جاز التعبير ـ بحيث يعبر كل مواطن عن نفسه..
تحقق كل ما سبق, بتعظيم الإحساس بقيمة الوطنية, في وقت كانت الليبرالية الجديدة( أو الرأسمالية الشريرة) تروج لانتهاء زمن الوطنية باعتباره مفهوما نمطيا تجاوزه العالم في زمن العولمة. وهو أمر نفته ـ عمليا ـ تجارب التقدم المعاصرة.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern