«قصر النيل».. دراما القوى الاجتماعية

أجواء تشيكوف ونعمان عاشور

المتابع لمسلسل قصر النيل، الذى لم يتبق على نهايته إلا الحلقتان الأخيرتان، سوف يجد ظلالا لأعمال تشيكوف وإبسن من الأدب العالمى، وأدب نعمان عاشور وسعد الدين وهبة من أدبنا المصرى الحديث، على أحداث المسلسل. وأقصد بذلك لعبة الصراع الاجتماعى التى يتم تجسيدها عبر مجموعة من العناصر البشرية التى يمثل كل عنصر منها قوة اجتماعية من قوى المجتمع، وذلك عبر أسرة أو مكان فى فترة تاريخية تتميز بالتغيرات المجتمعية الحادة. حيث تتصارع فيه هذه القوى/ العناصر حول مصالحها وكيفية بقائها، فى فترة تاريخية تتميز بالتغيرات المجتمعية الحادة.

وهى حبكة نجدها فى أعمال مثل: «بستان الكرز» و«الخال فانيا» لتشيكوف، و«أعمدة المجتمع» لإبسن، و«الناس اللى فوق» و«عائلة الدوغرى» لنعمان عاشور، وبئر السلم لسعد الدين وهبة.. فى قصر النيل نحن أمام قصر تعيش فيه أسرة أحد رجال صناعة الغزل والنسج من باشوات ما قبل يوليو 1952 وقت التأميم. ولأول وهلة سيعتقد المشاهد أن المسلسل يناقش الفترة التاريخية المواكبة لعملية التأميمات التى جرت فى عام 1963. ولكن من خلال لعبة الفلاش باك- التى يتم توظيفها بمهارة تامة- يستعرض حراك القوى المجتمعية وصراعاتها على مدى عشرين سنة من مطلع الأربعينيات إلى مطلع الستينيات.

(2)

خريطة الصراع فى القصر وخارجه

لم يعن المسلسل بأن ينحاز لأى من مرحلة ما قبل يوليو أو ما بعدها بقدر ما عُنى باستعراض الكيفية التى تستجيب فيها القوى الاجتماعية لتحدى التحولات الكبرى. فهناك قوى تعمل على بقاء القديم المعتاد وتحول بشتى الطرق دون استبداله بجديد يقلب الموازين المجتمعية رأسًا على عقب. وفى المقابل هناك قوى تعمل على تسريع التغيير وإقامة النظام الجديد بشتى الطرق لسد فجوة التفاوتات الحادة التى ظهرت فى ظل النظام القديم. وبالرغم من أن كل الظروف المجتمعية كانت تشير إلى ضرورة الانتقال من نظام قديم إلى آخر جديد إلا أن القاعدة الاجتماعية للنظام الجديد التى تكونت من الطبقة الوسطى فى المقام الأول، لم تكن بالتمام مخلصة للثورة التى عملت على تحريرها من هيمنة القوة التى استأثرت بالثروة والحكم.

كما أن الطبقات الشعبية التى كانت قرارات يوليو فى صالحها- يقينا- تراوحت مواقفها بين الصمت والمناورة، واكتفت بتفويض الزعيم- عن قناعة- بإدارة المجتمع الجديد. أما الطبقة العليا فبعض من عناصرها لم يستطع التواؤم مع الواقع الجديد والبعض الآخر استطاع أن يقيم تحالفات جديدة مع العناصر المؤثرة للنظام الجديد بالمصاهرة أو الشراكة الاقتصادية، والتى تجسدت فى شقيق الباشا العائد من الخارج والمتعاون مع بعض عناصر النظام الجديد. المحصلة أن البناء الجديد الواعد لم يستطع بالرغم من إنجازاته الكبرى أن يحول دون تجدد الصراع الاجتماعى بين قواه وطبقاته سواء داخل القصر أو خارجه. فى الداخل بين عناصر الأسرة التى تقطن القصر، المختلطة القوى الاجتماعية، بسبب الزيجات المتنوعة للباشا؛ إذ تزوج من أجنبية، ومن سيدة كانت متزوجة من أحد موظفى مصنعه، كان متمردًا على جشع الباشا فقام بقتله.

ولزيجات ابنى الباشا حيث تعبر كل زيجة عن حالة مجتمعية لها مصالحها وتطلعاتها فى ظل التحولات. ويقف بين الابنين ابن ثالث هو ابن الزوجة المصرية، والذى قبض عليه لوقت فى سجون النظام الجديد لانتظامه فى إحدى المنظمات اليسارية، وكيف خرج ليتولى إدارة مصنع أبيه المؤمم.. وفى الخارج من خلال الصراع الاجتماعى الطبيعى.

(3)

السؤال الصعب

فى هذا السياق تظهر «كاميليا» ابنة الزوجة المصرية التى تزوجها الباشا عنوة عائدة من لندن للانتقام، بعد أن تزوجت من شقيق الباشا الذى عاد معها، ولكن العودة المشتركة لم تكن تعنى أن مصالحهما مشتركة. فلقد جاء الشقيق ليصنع زمنا جديدا من خلال تحالفات جديدة، متجاوزا زمن أخيه الذى كان فيه هو الرجل الثانى أو الذراع اليمنى لكل ما هو قذر من أعمال. ومع مرور الوقت تدرك «كاميليا» أن الثأر الشخصى لن يحقق شيئا، ومن ثم تحالفت مع أحد رجالات يوليو الوطنيين لتحقيق التحول المرجو.. فهل تنجح كاميليا؟.

«قصر النيل»؛ دراما بديعة تقرأ الواقع المصرى وتفاعلات المصريين من خلال حركتهم النضالية، وتقدمه فى عمل درامى مثير للدهشة والتفكير والنقاش.. تحية لفريق العمل.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern