الموسيقى للجميع...

« سوبرانو تعيش فى باريس تغنى فى الفسطاط»

«أميرة سليم»، (1974) «السوبرانو» المصرية التى تعيش فى باريس، شاهدتها للمرة الأولى قبل أكثر من عام فى استضافة برنامج ثقافى تبثه «فرانس فان كاتر الفرنسية» حيث تعمل وتعيش هناك منذ فترة وتشارك بالغناء الأوبرالى من على أشهر المنصات الموسيقية فى أوروبا.. تابعتها تتكلم وتغنى فوجدتنى أمام موهبة موسيقية كبيرة، وقيمة ثقافية راقية، ذات حضور طاغٍ. ما دفعنى لمتابعة بعض من أعمالها/ نشاطاتها الفنية على «اليوتيوب»... وشاهدتها تغنى فى فيينا عملا «لموزارت» (1756- 1791)،

«يتيمة الدهر وأعجوبة الزمان... ومعجزة من معجزات الفن والخلق لا سابقة لها ولا لاحقة»، بحسب ما وصف الدكتور المثقف الكبير وأحد أهم شارحى الموسيقى الكلاسيكية فى مصر «حسين فوزى» فى كتابه: «الموسيقى السيمفونية: دليل المستمع لموسيقى الأعلام- 1987»... لم تغن «أميرة»، فى حفل «فيينا» غناءً معتادا... بل حلما واعيا ممتعا... دمجت فيه آلات مثل: الكولة والطبلة... إلخ- فيما أذكر- مع الآلات الأوركسترالية الفخيمة المتنوعة والمتعددة، لتبدع، بموهبتها وعلمها وشخصيتها «الكارزماتية»، للمستمعين، رؤية جديدة لعمل روائى غنائى خالد من أعمال «موزارت»...ما ملأنى بالفخار والإعجاب والإيقان يفرض على المستمع بأن يشعر أنه أمام «أميرة» مصرية ذات همة وفن وعلم وحكمة... إنها الأميرة أميرة سليم...

(2)

«ال أميرة سليم تنشد للملكة إيزيس»

لم يمر وقت طويل حتى وجدت «أميرة سليم» قد دعيت للمشاركة للغناء فى الاحتفال الفنى بمناسبة افتتاح متحف الحضارة القومى الجديد. سعدت للغاية، وتساءلت كيف سيكون استقبال الجمهور لها خاصة وأنها سوف تغنى غناءً «أوبراليا» نصا قديما مكتوبا باللغة المصرية القديمة (الهيروغليفية) معروفا باسم «أنشودة مهابة إيزيس» (بحسب الترجمة التى قامت بها الدكتور ميسرة عبد الله حسين أستاذ الآثار بجامعة القاهرة) وسيتم تأليف موسيقى أوركسترالية للأنشودة (قام بها هشام نزيه وقاد الأوركسترا المايسترو نادر العباسى) وزعها... أجاب جمهور المصريين على سؤالى حاسما حيرتى باستقبال مذهل للأغنية... ظن الجمهور لوهلة أن الكلمات أجنبية... وسارع البعض لفك شفرتها مكتشفا حقيقتها ومضمونها التى تقول: «يا أيها البشر والآلهة الذين فى الجبل، إنها السيدة الوحيدة، مهابة، التى تلد النهار، إنها سيدة الغرب والأرضين معا، إنها عين رع عظيمة القدر فى الأقاليم، مهابة...»... المفاجأة الحقيقية هى كثافة «التشيير» للأنشودة عبر وسائل التواصل الاجتماعى... وبالرغم من النجاح اللافت إلا أن عقلى لم يتوقف عن طرح الأسئلة وإن كانت اتخذت منحى مغايرا... فأصبحت لماذا أعجب الكثيرون بما قدم بالرغم من عدم فهمهم للنص المُغنى؟، ولماذا وكيف حظيت الموسيقى التى تم توزيعها توزيعا أوركستراليا غير مألوف لدى العامة من المستمعين بالإعجاب؟، هل يعود نجاح التلقى للموسيقى لأن الأوركسترا تضمنت آلتى الناى (عزف هانى البدرى) والربابة (عزف أحمد منيب) ما جعلها قريبة من وجدان وأذن المستمعين، خاصة أن من قاما بالعزف عليهما كانا مجيدين ومؤثرين؟، هل هو أداء «أميرة سليم» المُبهر؟، هل للزخم المشاعرى الذى واكب الاحتفالية؟... تدافعت هذه الأسئلة وغيرها بحثا عن إجابات ليست بالضرورة قاطعة ولكن على الأقل تكون شافية...

(3)

«الموسيقى المتحضرة: تجديد ومتع»

صحيح أن «عباس محمود العقاد» قد قال عن الموسيقى شعرا بأنها: «معلمة الإنسان ما لا يعلم/ وقائلة ما لا يبوح به الفم»... ما يعنى أن أسئلتنا قد لا توجد لها إجابات محددة أمام الإبداع الموسيقى الآسر... إلا أن السؤال الأساس الذى يبقى حاضرا بقوة هو ما هو جوهر وطبيعة الحالة الموسيقية التى عاشها المصريون فى تلك الأمسية الربيعية فى ليل القاهرة المحروسة... يبدو لى أننا كنا أمام لحظة موسيقية «متحضرة»، بحسب «يحيى حقى» فى كتابه الجميل: «تعال معى إلى الكونسير»... وظنى أن الموسيقى المتحضرة ترجمتها العملية هى إبداع موسيقى تعكس حضارات الشعوب... لأن الموسيقى الحقيقية «مرآة الحضارة»، كما قال الموسيقى المٌخضرم «عبد الحميد توفيق زكى» فى كتابه: «الموسيقى: علم وفن وذوق»... وهو ما توفر فى كل العناصر الفنية التى أبدعت «أنشودة إيزيس»، ومثل نقلة نوعية مدهشة تتجاوز ما سماه «لويس عوض» فى نهاية الستينيات «التلفيق الموسيقى»، وعبر عن الشخصية القومية المصرية فجعلت «الموسيقى للجميع» بحسب «عزيز الشوان» بحق... وهو موضوع يستحق مناقشة جادة... نواصل...

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern