!أحلام فترة العزلة.. (7): فيلم أمريكى طويل.. ولكن

(1) «أمريكا الأخرى»؛
فرضت معركة الانتخابات الأمريكية ــ التاريخية لاعتبارات كثيرة نشرحها لاحقا ــ أن
نغوص فيما وراء الظاهرة الأمريكية. ذلك لأنها ظاهرة معقدة وأعمق كثيرا من مجرد اختزالها فى أنها أرض الأحلام الموعودة للمختارين بحسب الآباء المؤسسين الذين وفدوا

عليها مطرودين من أوروبا نظرا لتشددهم الدينى.. فلم يكذب من قال إننا نعيش «فيلما أمريكيا طويلا»، ولكن ليس بالمعنى المتواتر الذى يعنى استمرارية ما هو قائم دون أدنى تحول من أى نوع وكأنه قدر. وإنما بمعنى أن الظاهرة الأمريكية تتعرض لتحولات دائمة.. الأمر الذى يحتاج منا دوما التعمق فى فهم ما وراء الظاهرة الأمريكية.. ومن الأعمال الإبداعية التى تلفت النظر إلى عدم أصالة الحلم الأمريكى فيلم «مفقود» “Missing”؛ إنتاج عام 1982 ومن إخراج المخرج الكبير «كوستا جافراس» وبطولة العجيب «جاك ليمون»، المأخوذ عن قصة واقعية جرت حول صحفى شاب ذهب مطلع السبعينيات لتغطية ما يجرى فى تشيلى آنذاك. حيث اختفى الشاب فى ظروف غامضة استدعت أن يذهب الأب ــ جاك ليمون ــ ليبحث عن ابنه.. وبقدر ما يتكشف للأب مدى التورط الفادح للإدارة الأمريكية ضد مواطنى تشيلى، بقدر ما يتكشف له مدى وضاعة المؤسسات الأمريكية حيال مواطنيها من خلال الكذب على الأب وطمأنته على ابنه الذى تم قتله مبكرا.. إنها الحقيقة التى أمسك بها كثير من المبدعين وعبروا عنها فى كثير من أعمالهم وأدانوها ويمكن إعادة مشاهدة فيلم «جى إف كى» (1991) حول اغتيال كنيدى و«كل رجال الرئيس» (1976) حول فضيحة ووترجيت ومؤخرا فيلم «النائب» (2018) حول حياة «ديك تشينى» نائب الرئيس «بوش» الابن.. وكلها تعكس مدى ما آلت إلية البنية المؤسسية الأمريكية ومن ثم المجتمع الأمريكى من تصدع وهو ما حاول أن يعبر عنه تنيسى وليامز(1911 ــ 1983) فى آخر أعماله «بيت آيل للسقوط».

(2) «أمريكا: التصدع والصراع»؛

ويعكس المشهد الانتخابى الأمريكى الأخير ذروة الانقسام الأمريكى: الجيلى، والطبقى، والعرقى، والجهوى، فيما وصفناه ذات مرة «بالتقاطع بين التصدع القومى/ المجتمعى وبين الصراع الطبقى»(2017). والتى قصدنا بها تلك الحالة المركبة من الانقسامات متعددة المستويات ـــ بحسب أحد الباحثين ــ كما يلى:

الأول- انقسام داخل النخبة الجمهورية وانقسام داخل النخبة الديمقراطية.

الثانى- انقسام بين النخبتين السياسيتين الديمقراطية والجمهورية.

الثالث- بين الفلاحين وعمال المصانع وبين طلبة الجامعات.

الرابع- بين القومية الأمريكية وبين الخصوصيات العرقية المستوطنة والوافدة إلى أمريكا عبر عقود.

الخامس- بين مجتمع السود وبين البيض.

السادس- بين أبناء المدينة وسكان الريف.

والسابع- بين الليبراليين وبين المحافظين.. إلخ.. وهو ما عكسته الخريطة التصويتية بدقة شديدة ونجحت أن تعكسه التغطية الإعلامية الأمريكية بحرفية وتقنيات متقدمة على اختلافها مثل: فوكس نيوز، والسى إن إن، وال إيه بى سى، وال إم إس إن بى سى، والنيويورك تايمز، والواشنطن بوست، وول ستريت جورنال،..، إلخ.. لم يعد التنافس التاريخى بين «الأزرق» (الحزب الديمقراطى) وبين «الأحمر» (الحزب الجمهورى) هو السائد. فلقد جرت فى الولايات المتحدة الأمريكية مياها كثيرة حالت دون أن تسطر القول الأخير للتاريخ ــ بحسب ما تصور فوكوياما ــ.. فتبخر «الحلم الأمريكى» بفعل فاعل معلوم اعتمد ــ إذا ما استعرنا كلمات أحد المؤلفين المسرحيين الأمريكيين ــ أن «يُظهر عضلاته.. ناشرا فوضى اجتماعية»، راسما زمنا ترامبيا كارثيا.

(3) «هل تجدد الأجيال الجديدة الحلم الأمريكى؟»؛

حياة تميزت فى السنوات الأربع الأخيرة «بالصخب والعنف» بحسب الأديب الحاصل على نوبل عام 1950 «وليم فوكنر» (1897ــ 1962)، التى كتبت فى نهاية العشرينيات عشية الأزمة الاقتصادية الأمريكية الشهيرة. إلا أن قراءة جديدة لها تعكس كيف توقع حدوث تراجع الحلم الأمريكى حتى يومنا هذا.. هذا التراجع الذى بات مثيرا للتساؤل من قبل الأجيال الجديدة حيث لسان حالها ما جاء فى نص «فوكنر»: «كيف أصبت؟ أو لعلنى أصبت منذ زمن، ولكن ما شعرت بالإصابة إلا الآن..».. هل تستطيع الأجيال الجديدة التمرد على التنميط السياسى التاريخى «الأزرق» و«الأحمر» وأن «تقاومه كثيرا» بحسب الشاعر الأمريكى الأبرز «والت ويتمان».. كانت الانتخابات الأمريكية أن نعيش أحلاما واعية قلمية وفيلمية عن الفيلم الأمريكى الطويل.. نواصل..


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern