المواطنة بين إشكاليات الداخل وتحديات الخارج

كثر الحديث فى الآونة الأخيرة عن عن ضرور الإصلاح السياسى فى مصر وتكاد تتفق كل التيارات الساسية المصرية, بما فيها الحزب الحاكم, على أن الحاجة أصبحت ماسة لتفعيل الحياة السياسية فى مصر على أسس تتجاوز مظاهر سلبية برزت واضحة للمراقب على مدى السنوات الأخيرة من عزوف عن المشاركة السياسية ومن عودة للانتماءات الفرعية والحضور اللافت “للعزوة” و “العائلة” فى الانتخابات البرلمانية مما يعنى الحشد والتعبئة حول قيم أبوية تقليدية, وليس حول برنامج سياسى تطرحه أحزاب أو اتجاهات سياسية.

فى نفس الوقت نجد سطوة المال التى جعلت الممارسة السياسية حكرا للأثرياء ومن ثم مصالحهم. وعليه كان حديث الإصلاح ضرورة. فتناول كثير من المعنيين تطوير العملية الديمقراطية من جوانب عدة: منها مايخص القيم الديمقراطية, ومنها مايتعلق بالبيئة التشريعية اللزمة لهذا التطوير, ومنها ما يخص إعادة تنظيم الوضع الهيكلى السياسى القائم, وأمور أخرةى عديدة. بيد أن المساهمة فى هذا المقام سوف تتناول مدخلا مهما أو عنصرا حيويا فى حديث الإصلاح ألا وهو “المواطنة”, التى تعنى حركة الأفراد – المواطنون – فى حياتهم اليوميةمشاركين من أجل بلوغ الحقوق بأبعادها المدنية والاجتماعية والسياسية والثقافية على قاعدة المساواة مع الآخرين دون تمييز, إذن دعم المواطن هو المدخل لأى إصلاح سياسى, فالعملية الديمقراطية لا تتم بغير ممارسين وهؤلاء الممارسون هم ” المواطنون”, ونحن هنا نتجاوز ماهو شائع عن المواطنة, باعتبارها مساوية للإنتماء والولاء . وإذا كانت الحياة الحزبية فى مرحلتيها الثانية كما عرفتها مصر (بدأت عام 1975 بتأسيس المنابر) شابها بعض الشوائب, حيث كانت الديمقراطية الوليدة- آنذاك- مصدرها السلطة, فإنه قد آن الآوان خاصة لاتفاق الجميع على ضرورة التطوير الديمقراطى, وإعمال الإصلاح السياسى- حزب حاكم وأحزاب معارضة وقوة وطنية – أن يكون المواطنون هم مصدر الديمقراطية, وعليه فإن العناية بالمواطنة كمدخل للإصلاح السياسى تبدو أمرا حيويا وأساسيا. وحتى يتحقق ذلك يتصور أن هناك ضرورة لإلقاء الضوء على بعض الإشكاليات الداخلية, التى تحول من دون ذلك من جانب , وفى نفس الوقت الاقتراب من بعض التحديات الخارجية, التى تواجه المواطنة تحديدا من جانب آخر.
فيما يتعلق بالإشكاليات الداخلية, يلاحظ بداية أن الموراقب لحركة المواطن المصرى يجده يتحرك نحو مجتمعات انتمائه الفرعية أكثر من حركته فى إطار المجتمع السياسى, الذى من المفترض قدرته على استيعاب ماهو فرعى. وإذا كن هذا الأمر معهودا فى جانب من جوانبه, إذ يبدو معينا للدولة, إلا أنه يمثل عائقا رئيسيا فى جعل المواطن يمارس “مواطنيته” كعضو فى المجتمع السياسى العام. ومن هنا تأتى الحاجة إلى إعادة الاعتبار للمجتمع السياسى كونه المجال الطبيعى لحركة المواطنين للتعبير, ووضع التصورات ومتابعة التنفيذ والمحاسبة لكل ما يرونه فى صالح المجتمع العام. على النقيض تماماً فإن انصراف المواطن لإنجاز ما يخصه فى اطار الانتماء الفرعى مع كامل التقدير لذلك إنما يعنى إعلاء المصالح الذاتية أو الجزئية على حساب المصلحة العامة أو الكلية. إن الحاجة ماسة إلى عقد اجتماعى يضمن توافر المساواة الشرعية والأخلاقية بين الجميع، فالانصراف عن المجتمع السياسى يعنى ان كل فرد من حقه أن يبحث عما يريد بالصورة التى يراها. لذلك فإن بناء المجتمع السياسى ضرورة على أرضية تعاقد جماعى، يعنى ان هناك اتفاقاً وتراضياً بين المواطنين تراعى فيه المصالح الفرعية فى إطار المصلحة العامة, وعليه يدمج المواطنين فى هذا المجتمع كونهم “مواطنين” مما يعنى اعادة الحيوية الى الحياة الديمقراطية والسياسية.


ولعل القارىء لنسب المشاركة فى الانتخابات العامة أو فى أشكال المشاركة المختلفة، سوف يجدها ضعيفة للغاية، فالبرغم من رقابة القضاء فى الانتخابات الأخيرة إلا أن نسبة المشاركة لم تزد على العشرين فى المائة فى كثير من المحافظات. وعليه فإن إحدى الاشكاليات التى تمثل عائقاً حقيقياً لعملية الإصلاح السياسى هو كيف ندفع بالمواطنين المقيمين الى ان يكونوا مواطنين مشاركين وفاعلين الأمر الذى يحتاج الى التفكير فى اقتراحات وحلول عملية تيسر من ممارسة المواطنة على كل الصعد والمستويات من خلال تفعيل كل صور المشاركة.


لقد أثبتت الممارسة السياسية على مدى عقود اقتصار العمل السياسى على فئات نوعية وشرائح اجتماعية، بل وأجيال عمرية بعينها، متقاربة فى المصالح والاتجاهات, وربما الانتماء الاجتماعى, بحيث يكاد يكون العمل السياسى حلقة مغلقة على هذه الفئات والشرائح والأجيال, وعليه نجد شرائح من المواطنين غير منخرطة فى الممارسة السياسية, مما يعنى أن المواطنة تكون فى هذه الحالة – بحكم من يمارسها – أفقية نخبوية, الأمر الذى يعنى استبعاداً – ربما يكون غير مقصود لفئات وشرائح وأجيال تحتل مواقع أدنى فى السلم الاجتماعى والاقتصادى والعمرى. لذلك من الأهمية بمكان توسيع دائرة المشاركة من دون استثناء, ومن دون اعتبار لثروة أو مكانة أو سن أى تنشيط المواطنة رأسياً فى جسم المجتمع حتى القاعدة قدر الإمكان, أو مايسمى بالمواطنة القاعدية إ فالقارىء للتاريخ – الغربى أو فى الحالة المصرية – يدرك أن المواطنة التى تعنى حركة المواطنين فى المجتمع السياسى تزدهر كلما إتسعت قاعدة المشاركين اجتماعياً واقتصادياً وعمرياً وفئوياً, وحتى لا يصبح الأمر فيما يخص العمل السياسى حكراً على الأثرياء كما حدث فى الانتخابات البرلمانية عامى 2000،1995 الأمر الذى جعل الكثير يصف الانتخابات بأنها صارت انتخابات الأثرياء ذا فإن تنشيط المواطنة القاعدية هام, ذا أردنا تحقيق الاصلاح السياسى وتفعيل الحياة الديمقراطية.


على الجانب الآخر هناك العديد من التحديات الخارجية واكبت بروز ظاهرة العولمة مع مطلع التسعينات كونها عملية اجتماعية اقتصادية سياسة تراجعت معها الحدود الجغرافية والمحددات السياسية التى تتعلق بالسيادة, كذلك المقومات الثقافية للخصوصيات المتعددة, وذلك بفعل ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات والمعاملات المالية التى تديرها الشركات العابرة للقوميات والمتعددة الجنسيات. الأمر الذى طور ثقافة عولمية يتفاعل معها الناس بغض النظر عن الانتماءات القومية، بحيث وضع هؤلاء الناس اختياراتهم الفردية قبل هوياتهم القومية، لأن ثقافة السوق باتت تشكل منظومة قيمهم على حساب مهام عضويتهم فى الجماعة الوطنية, التى ينتمون اليها. إنها المرحلة التى يمكن أن نطلق عليها مرحلة ما بعد القومية “POST NATIONALISM”.


فمع نهاية الحرب الباردة تزايدت الدعوة إلى تفعيل القانون الدولى والمجتمع المدنى العالمى, كما بدأ الحديث عن ميلاد الشخص العالمى Universal Personhood, وذلك على حساب الانتماء الوطنى القومى National Belonging الأمر الذى يعطى الفرصة للكيانات الدولية بل ولبعض الدول للتدخل لإعادة ضبط العلاقة الأولية بين المواطن ودولته، وعليه تنامت الدعوة الى حقوق الانسان، بيد انه لم تزل هناك وجهات نظر فى اطار المنظومة الغربية تؤكد على الولائية الوطنية الدستورية، وأنه بالرغم من نبل فكرة حقوق الانسان فإنه لا يمكن ان تحل محل المواطنة، والتى تعكس العضوية الاجتماعية للمواطن، ومن ثم المشاركة. فحقوق الانسان, تحفظ حقوقاً إنسانية فى شكلها القيمى المطلق دون مراعاة جدلية الحقوق والواجبات بحسب المواطنة فى إطار الوطن الواحد بدون تمييز بين فرد وآخر. فالمواطنة تأخذ فى الاعتبار ضرورة المشاركة والمسئوليات التى تترتب عليها وهو ما لا يمكن ان تنسخه حقوق الانسان .


وبفعل صيغة التدخل الانسانى التى بدأ الحديث عنها منذ منتصف التسعينات بل وممارستها صعدت اشكالية التفريق بين “المواطنين” و “المدنيين” على أرضية التفريق بين المجتمع التقليدى السيادى القومى وبين المجتمع المدنى المعولم. فالمجتمع الثانى متجاوز للأول ومتقدم عليه ومخترق فى نفس الوقت لدى انصار التدخل, فالفرد هو مواطن فى المجتمع السيادى القومى, وهو مدنى فى المجتمع المعولم, له فرضاً حقوق: واحدة منسوبة الى صفته كمواطن تابع قانونياً لدولة، وأخرى منسوبة الى صفته كمدنى معولم غير معرف بهويته القومية, وتبدو الاشكالية فى جوهر فكرة التفريق بين حزمتى الحقوق المواطنية “والحقوق المدنية” ذلك أن المجتمع المدنى العالمى يعطى لنفسه الحق باعتباره “واجبا” عليه لحماية حقوق المواطنة فى الداخل الوطنى من دون النظر لشروط التطور الداخلى, بل على الجهات العولمية أن تتدخل لإنجاز هذه الحماية الأمر الذى يمثل تحدياً خارجياً فعلياً للمواطنة .
وقد اعتمدت استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية خاصة بعد تفكيك الاتحاد السوفيتى على ما سمى باستراتيجية التوسع وذلك من خلال الترويج للديمقراطية مرتبطة بالسوق فالديمقراطية ليست هدفاً فى ذاتها, وإنما هى وسيلة أو آلية لتوفير المناخ اللازم للحصول على أكبر فائدة ممكنة من تحقيق نظام السوق حيث الانسان المستهلك يحل محل الإنسان المواطن, وتصبح حرية الإنسان “حرية أن يفعل ما يشاء ما دام يفعل ما يريده أصحاب السوق” بحسب تشومسكى. الأكثر من ذلك أن رؤية الإدارة الأمريكية الحالية للعالم بحسب ما جاء فى وثيقة كوندوليزا رايس حول السياسة الخارجية ازاء الحملة الإنتخابية للرئيس بوش الابن, هو دعم “نمو الطبقات صاحبة المشروعات (المقاولة) Entrepremrial Classes, وهى نظرة ترى دول العالم أسواقا,ً وسكان هذه الدول الأسواق ليسوا مواطنين، وإنما مستهلكون أو مقاولون, أى أن ادوارهم لا ترتبط بعضويتهم فى أوطانهم وإنما بمدى مصالحهم بحسب قواعد السوق.


وكان من نتائج الحادى عشر من سبتمبر أن الولايات المتحدة الأمريكية قد بدأت تنزع سلوكاً وممارسة الى تحقيق النموذج الامبراطورى فى علاقتها بالنظام الدولى. والامبراطورية بحسب كيسنجر لا تهتم بأن تسير شئونها الى اطار نظام دولى, وإنما تصير هى ذاتها النظام العالمى, وعليه تتجاوز عملية العوملة بما تحمل من علاقات اقتصادية متشابكة وتنميط ثقافى على مستوى سكان العالم الى ان تضيف الى ما سبق وحدة سياسية للعالم كله مركزها الامبراطورية, ومن ثم تصبح دول العالم أو المجتمع الدولى مساحة ممتدة تابعة للامبراطورية, وعليه يصبح من يقطن هذه الدول رعايا لدى الامبراطورية وليسوا مواطنين, الأمر الذى يمثل تحديا حقيقياً للسيادة الوطنية من جانب, كذلك لمسيرة المواطنة فى الداخل.
وبعد، يبدو أن مهمة تجاوز إشكاليات المواطنة فى الداخل من جهة، والتعامل مع التحديات الخارجية التى تواجه المواطنة من جهة أخرى, هما البداية لبلوغ الديمقراطية التى نسعى اليها من خلال وصل ما انقطع مع ما انجزته الجماعة الوطنية تاريخيا, اى التراكم للخبرة المصرية والبناء عليها انطلاقا من قاعدة المواطنة باعتبارها شرطاً أساسياً للديمقراطية .


فالديمقراطية كما ذكرنا بدون ممارسين مواطنين لا تستقيم, فالمواطنون هم العناصر الحية الفاعلة للعملية الديمقراطية, وحديث التفاصيل يأتى بعد ذلك، من حيث القوانين والإجرءات والمواطنون أو البشر أولاً, ودعم ثقافة المواطنة هى الضمان لعدم الارتداد لزمن ما قبل المواطنة حيث الانكفاء فى دوائر الانتماء الأضيق, فالمواطنة هى حركة المواطنين لتجاوز الانتماء الأضيق إلى الانتماء الأرحب، أى تجاوز الانتماء للأشكال الأولية للمجتمع البشرى الفرد والعشيرة والطائفة,…الخ، إلى الجماعة الوطنية, ومن ثم تحقق دولة المواطنة وعليه تصبح المصلحة العامة المشتركة هى المعيار الرئيسى الذى يحكم حركة المواطنين هذا دون تعارض مع الانتماءات الأضيق, وعليه تكون الحركة التى يقوم بها المواطن والمواطنون فى هذه الحالة هى تعبير عن المشاركة, والمساواة, واكتساب الحقوق, واقتسام الموارد العامة. ان هذه السمات (رباعية العناصر) هى تعبيرات وتجسيدات المواطنة، وفى النهاية المواطن الحق هو الموضوع وحق المواطن هو الهدف, الأمر الذى يعكس العلاقة الجدلية بين دولة فمزدهرة قادرة على إنجاز الإصلاح ومواطنة فاعلة تعد جوهر أى تطور ديمقراطى، اذن لابد من توجيه كل الجهد لمواجهة إشكاليات الداخل وتحديات الخارج المعوقة والمهددة للمواطنة.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern