الجغرافيا السياسية الجديدة للطاقة

الجغرافيا السياسية بين زمنين

مع نهاية القرن التاسع عشر، تبلور علم «الجغرافيا السياسية». وهو العلم الذى يعكس مدى قدرة كل دولة على ما يلى: أولا: التأثير والقوة فى إطار حدودها وهو ما يعرف بالجغرافيا السياسية الداخلية. ثانيا: القدرة على ممارسة القوة والتأثير خارج حدودها من خلال الأطر «الجيوسياسية» الحدودية، والإقليمية، والدولية.

ثالثا: بلورة رؤية مستقبلية لتعظيم المكانة الذاتية للدولة من خلال تأمين الموارد وتنميتها، وتطوير المصالح، وتلبية احتياجات مواطنيها،...، إلخ.. ما يتطلب «فهم وتفسير عمليات وآليات التحول السياسى على المستوى الدولى» ــ كما يقول الجغرافى السياسى الأمريكى «كولن فلينت»، فى إطار علاقات الدول، المختلفة، ببعضها البعض. وذلك من خلال «بحث العلاقات القائمة بين الحقائق المكانية والعمليات السياسية».. فالحقائق المكانية بما تحمل من عناصر قوة وضعف هى التى تبلور العمليات السياسية المطلوب اتخاذها على جميع الأصعدة وذلك: أولا: لحماية مكامن قوة المكان وتعظيمها. وثانيا: الدفاع عن المكان فى مواجهة الجغرافيات السياسية المضادة من قبل الدول الأخرى على اختلاف قوتها النسبية.. ومع التغيرات الجذرية التى طالت المنظومة العالمية اقتصاديا وسياسيا وثقافيا. حل زمن جديد طور الجغرافيا السياسية لتأخذ فى الاعتبار الاقتصاد العالمى وتحولاته المركبة فى ظل العولمة.

(2)

الطاقة والجغرافيا السياسية

لم تعد الجغرافيا السياسية تقتصر على الربط بين «حقائق المكان وكيفية التعاطى معه سياسيا». وإنما أصبح يؤخذ فى الاعتبار: الجغرافيا، والاقتصاد، والسياسة، والثقافة، والتاريخ.. وكما يقول المؤرخ والجغرافى الفرنسى إيف لاكوست فإن: «التحليل التاريخى ومنهج التحليل الجيوسياسى لا ينفصلان»، والتاريخ والجغرافيا السياسية لا بد من إعادة تموضعهما مع دورات الاقتصاد السريعة التحول.. ونشير هنا إلى أنه مع كل اكتشاف تقنى جديد، أو مصادر طاقة جديدة فإن الجغرافيا السياسية تتجدد وتضع قواعد جديدة للعبة السياسية العالمية.

(3)

طاقة الغاز: ثورة مركبة فى الجغرافيا السياسية

«إنه الزمن الذهبى للغاز»؛ عبارتان وردتا فى المرجع المعتبر: «الجغرافيا السياسية الجديدة للغاز الطبيعى»؛ (2017). فلقد أدت الاكتشافات الجديدة المتتالية فى أكثر من بقعة من بقاع الأرض للغاز إلى أمرين هما: أولا: تجديد الجغرافيا السياسية فى العموم. وثانيا: تطوير الرؤى الخاصة بكل دولة من الدول المعنية بالاكتشافات. وفى هذا المقام، رسمت صورة تفصيلية للرؤى المتطورة لهذه الدول: الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، والصين،...، إلخ. وقد اتسمت هذه الرؤى بما يلى: أولا: شموليتها، ثانيا: مرونتها، ثالثا: إدراكها للتحديات التى تواجهها، ورابعا: وضع البدائل المتنوعة.. كما أشار المصدر إلى أن الرؤى الجيوسياسية المشار إليها قد راعت التعاطى مع الطاقة المستجدة: الغاز؛ من خلال رؤية شاملة لكل مراحل عمر الغاز. بداية بالتنقيب والبحث والاكتشاف. ومرورا بالنقل والتسويق والبيع. ونهاية بالاستفادة منه سواء فى حالته الغازية أو السائلة فى العديد من المجالات. وما يلزم هذه المراحل من بناء قوة مادية صلبة تكون قادرة عن الدفاع عن الجغرافيا السياسية للطاقة، واقتناء تكنولوجيات متنوعة فى التنقيب والنقل والمعالجة والتسويق، وتكوين شركات عملاقة متعددة الاندماجات، وتشكيل تحالفات غير نمطية،...، إلخ.. وبالأخير أثر كل ذلك على النظام الاقتصادى العالمى من جهة. وتأثيره على دول العالم وأقاليمه المختلفة.. وفى هذا الإطار يأتى المتوسط أو البحر الأبيض المتوسط فى مقدمة المواضع الاستراتيجية ذات القيمة الكبرى بفعل الطاقة. ومن ثم الجغرافيات السياسية المختلفة التى تتشكل حوله سواء من الدول المطلة عليه مباشرة أو امتداداتها كذلك البحار المنبثقة منه والتى تصب فيه.


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern