إيطاليا الصغيرة- القديمة- تتغير

(1)

«إننا نحتاج إلى أطر ومضامين تعبيرية مبتكرة من أجل تصوير الحقائق الجديدة»؛ عبارة قالها المفكر والشاعر النمساوى «أرنست فيشر» (1899 ـ 1972) صاحب الكتاب المرجعى ضرورة الفن(1959).. وأظن أنه يمكن أن نستكمل عبارته بالآتى: «ومن ثم التعاطى مع الحقائق الجديدة بمنطق مغاير تماما: راديكالى على أقل تقدير».. فى هذا السياق، أُنتج فيلم «إيطاليا الصغيرة» «Little Italy»؛(إنتاج كندا ـ 2018)...

(2)

يقدم فيلم «إيطاليا الصغيرة» إطارا تعبيريا جديدا لمأساة «روميو وجولييت» للشاعر والمسرحى العابر للأزمنة «وليم شكسبير»( 1564 ـ 1625؛ أبدع 38 مسرحية وما يقرب من 160 سوناتا شعرية) من خلال مضمون ومعالجة راديكالية تنتصر للحب والحياة والتغيير.. يدور الفيلم فى تجمع مهجرى إيطالى بمدينة تورنتو الكندية. حيث تتنافس أسرتان إيطاليتان على تقديم البيتزا للجمهور. فكل أسرة لديها خلطة خاصة تصنع بها البيتزا. وكانتا فى وقت من الأوقات تتعاونان فى تقديم نوع واحد من البيتزا من محصلة الخلطتين من خلال مشاركة ثلاثة أجيال فى كل أسرة معا. وما إن فازا فى مسابقة من المسابقات بجائزة أحسن بيتزا حتى دبت الخلافات بين ربى الأسرتين عندما أرجع كل منهما سبب الفوز إلى الخلطة الخاصة التى تُميز كل عائلة.. ما أدى إلى انقطاع العلاقات بين الأسرتين بالرغم من التلاصق بين المطعمين. والأهم هو استحالة تتويج الحب الذى بدأ يجمع بين «كينكي»(جولييت إيطاليا الصغيرة) ابنة إحدى الأسرتين وبين «ليو» ابن الأسرة الأخرى(روميو إيطاليا الصغيرة). وعليه سافرت «كينكي» إلى لندن للعمل. وبدأ «ليو» الاستقلال النسبى بالعمل مع والده نصف الوقت. والعمل فى مطعم آخر خارج «إيطاليا الصغيرة».

(3)

وبعد خمس سنوات، عادت «كينكى» فى إجازة والتقت بـ«ليو» وتجدد الحب بينهما. وشجعهما جد «ليو»، وجدة «كينكي».. فخلال هذه السنوات، ارتبطا، الجد والجدة، بالحب وقررا الارتباط بالرغم من الخلاف المستعر بين ابن كل منهما.. وكان المنطق الذى حكم تفكير الجد والجدة هو «إن من تتاح له الفرص فى الحياة ولا يغتنمها من جهة. وأن يكون محبا ومحبوبا من جهة أخرى. فإنه لا يستحق أن يعيش»...هكذا، قفزا، الجد والجدة، على الزمن برفض الحبس فى الماضى وما تجيزه ولا تجيزه التقاليد فى هكذا أحوال. كما تجاوزا «غباء» ابنيهما فى إفساد كل شيء. على الجانب الآخر، رفضت «كينكي» أن يحكمها الواقع، واختارت الحياة. وطالبت «ليو» بألا يخضع لتقاليد «إيطاليا الصغيرة»، فعليهما: أولا: توجيه الخنجر إلى «جسد التقاليد البالية»؛ وثانيا: إجراع السم فى أفواه استمرأت النميمة واجترار الكلام والتحريض والتشويه.. جرى هذا عندما قرر الأبوان قطع الطريق على محبى الحياة من: الأجداد والأحفاد.. فوضعا «كينكي» و«ليو» فى منافسة حول من منهما أفضل فى عمل البيتزا. فقبلا بالمسابقة وقررت كينكى أن تضع على عجينتها الخلطة الخاصة بليو. ومن جانبه رفض «ليو» إعلان فوزه بالجائزة عندما ذاق «البيتزا» وأدرك ما فعلته حبيبته.

(4)

وهكذا بدلا من أن يصور الفيلم: «قصة حب ذى أهوال يترصده الموت،/ ونزاع شيوخ لم تدفنه سوى مأساة الأبناء»(برولوج المسرحية، ترجمة محمد عنانى ـ 1993). نجد الفيلم يجسد ببساطة «قصة حب إنسانية تقاوم التقاليد والسكون وترفض الاستسلام والخضوع وألاعيب القدر. وتتمرد- بفرح- على الأزمنة القديمة متمثلة فى أفكار وسلوك الآباء والانكفاء فى المجتمع الإيطالى الصغير(فى المهجر) لصالح المستقبل والشباب. والانفتاح على العصر والاندماج فى المجتمع الأوسع...

(5)

وأيضا، بدلا من أن «يحل السلام الحزين على فيرونا»- بحسب لويس عوض فى معرض تعليقه على مأساة شكسبير التاريخية الرصينة.. شاعت فى نهاية الفيلم حالة من التغيير الشامل طالت الجميع...


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern