بذور حية لجيل جديد مختلف

للمفكر الكبير لويس عوض مقولة جميلة تقول: «وعندى أن شيخوخة الفكر والقلب تبدأ حين يقول الفكر ويريد القلب أن يقول لصاحبه: إن الدنيا اعتلت بعد أن كانت صحيحة. لقد انهار الفن بعد أن كان مجيدا. وتدهور المجتمع بعد أن كان متماسكا، والأخلاق قد انحطت،...إلخ. عندئذ أقول: بل الذى انهار وتدهور وانحط وآل إلى خراب أكيد هو أنت يا قلب، والذى تداعى من بعدك هو أنت يا عقل. فالزم الصمت يا قلب واكتف بما كان يا عقل ولا تبذر بذور الموت فى حقل الحياة»...

(2)

بالرغم من المزاج المعتل، السائد لدى الكثيرين، لسبب أو لآخر، إلا أن الواقع يعكس أن هناك حيوية ما يقاوم بها «الجيل الجديد» الحالة «الاعتلالية»، البنيوية، وذلك ببذر بذور الإبداع فى شتى المجالات. وجعل «حقل الحياة» (إذا ما استعرنا تعبير لويس عوض)، دوما: «نابضا ومتجددا وناضرا»... هكذا رأيت معرض الكتاب... كيف؟

(3)

بداية من التزايد اللافت لدور النشر ذات الأسماء الجديدة اللافتة، والمبتكرة. وكم الكتب المطبوعة: تأليفا، وترجمة، التى تتناول مئات الموضوعات فى شتى المجالات تعلن عن ميلاد جيل جديد من الموهوبين من الكتاب والمترجمين، بدرجات متفاوتة، يبدعون فى ظروف معقدة خارج الهياكل التقليدية التاريخية، بالإضافة إلى جيش ضخم من الفنانين من مصممى الأغلفة، والمخرجين الداخليين للنصوص المطبوعة. حيث تعكس، فى المجمل، النصوص المؤلفة/ المترجمة، والأغلفة، والتصميمات الداخلية، أن هناك جيلا جديدا من المبدعين يتقدم الصفوف بإصراره على الإبداع، وتقديم تجربته هو فى ظل معاناة مجتمعية وجيلية واقتصادية. وعديد الإشكاليات المتوارثة منذ عقود. إلا أنه وبلغة أخرى، يصر على بذر بذور الإبداع والمبادرات، مقاوما التحديات والمخاطر. ما يعبر عن حب الحياة والانتصار للمستقبل...

(4)

وتصيغ الإبداعات المتنوعة من أدب كلاسيكى ومحدث، ودراسات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتاريخية، وترجمات لكتب معتبرة عن لغات مختلفة، حالة من الانتعاش الثقافى الذى من شأنه أن يبلور وعيا جديدا وجديا وأصيلا لدى الجمهور الباحث عن الحقيقة والمعرفة غير الزائفة (تمييزا عن الزائفة التى تقع تحت عناوين: الفضائح والنميمة، والمقالات السطحية، والخرافة والأوهام والشعوذة، والأدب «لمضروب»،...،إلخ،). ما يمنحه قدرا من اليقين يواجه به أسباب الاعتلال وصُناعه. كما يمكنه من دعم مقومات التقدم.

(5)

وظنى، أن المهمة المُلحة على جموع المثقفين هى التقاط ثمار إبداعات الجيل الجديد وأن نوفر لها ما يلى: أولا التنويه عنها، وعن مكامن الجدة فيها، والترويج لها بشتى الوسائل: المطبوعة، والمرئية، والرقمية. ثانيا: فتح مساحات حوار متنوعة الأشكال. وذلك لاكتشاف ما تتضمنه من أفكار وإدراك مدى جدتها وأصالتها. ثالثا: رصد كل المواهب الجديدة الطالعة/ البازغة ــ والتى تمثل مستقبل الإبداع فى مصر ــ فى شتى مجالات العملية الإبداعية من بحث، وإبداع أدبى: روائى وشعرى وقصصى ومسرحى، وإبداع بصرى/ تشكيلى من: رسم وإخراج فنى، وأخيرا موجة الترجمة الكبيرة التى تواكب الجديد فى الحقول المعرفية المختلفة. رابعا: العمل على توفير هذه الإبداعات الجديدة كى تكون بين أيدى أكبر قطاع ممكن من المواطنين. فلا تكون نخبوية فتدور فى دائرة مغلقة. ومن ثم نحرمها من أن تلمس بروحها النضرة، الشابة، والمقاومة ــ مواضع الاعتلال المصرى فى شتى المجالات... وبالطبع لا يسمح المجال لتعداد وتقديم الأسماء والأعمال التى رصدتها فى جولتى بمعرض الكتاب (وسوف نجتهد فى تقديم نماذج منها تباعا)...

(6)

أحسب ما رأيته من إبداعات الجيل الجديد: «بذورا حية» تجدد تربة الإبداع المصرى وتنتقل به إلى مرحلة جديدة. ودورنا أن «نحتضن ونرعى» هذه الإبداعات (بذور حياة الجيل الجديد) كى تثمر وتزدهر وتصبح تيارا حاضرا وفاعلا فى وجدان وعقول المصريين.

 


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern