مواطن الشبكة...

(1) يمكن اعتبار منتصف التسعينيات نقطة تحول تاريخية فارقة فى تاريخ البشرية. إنه ميلاد زمن «جوجوول»...فلقد أسست «جوجل» لزمن جديد على كل المستويات: اقتصاديا، واجتماعيا، وسياسيا، وثقافيا ومعرفيا. وبحسب أحد الباحثين: «باتت جوجل قوة عظيمة، بل قوة عظمى. إن تاريخ البشرية لم يشهد، مطلقا، مؤسسة تمارس بمفردها الفاعلية والتأثير اللذين تمارسهما جوجل»...ليست «جوجل» تكنولوجيا جديدة مضافة إلى ما سبقها من تكنولوجيات. وإنما هى فى ذاتها أصبحت تمثل «دنيا» جديدة لإنسان اليوم...

(2) بدأ الأمر مع انطلاق شبكة الإنترنت والتى بدأت فوضوية. أقرب إلى الوعاء الكبير الذى يتم ملؤه. ومع كل زيادة يزداد الوعاء اتساعا مستوعبا كل جديد. لذا وصف أحدهم الإنترنت: «بأنها ليست آلة ملموسة، ليست اختراعا يمكننا تحسسه باليد. لكنها، وعلى رغم هذا، تخضع لعملية تغيرات مستمرة عبر الزمن، ففى كل ثانية تمر تزداد الإنترنت اتساعا وتغدو أكثر تشعبا». وكان لزاما أن تكون هناك آلية «ذكية» قادرة على أن تقوم بعملية مركبة من التشبيك والتربيط والتنظيم بين محتوى الإنترنت المتزايد ولا يمكن إيقافه.

وكان لزاما الربط بين مضامين هذه النصوص وما تحمله من معلومات وأفكار وخبرات. وكانت هذه الآلية هى ما بات يعرف «بالمحركات». وجاء «جوجل» الذى قام- ليس فقط بالتشبيك والربط والتنظيم- وإنما أيضا بالبحث والتحليل والتوجيه.. فمن خلال لمسة واحدة للأحرف المكونة لكلمات العنوان الذى يتم البحث عن أبعاده وتفاصيله وكل ما يرتبط به، أصبح من اليسير، وفى «لمح البصر»، أن يتوفر لدى الباحث «كل وجهات النظر المتعلقة بالموضوع، وبكل الأفكار التى تم تداولها حوله، كذلك بكل الصور والإحصائيات، وبالروابط التى يمكن أن توصل الباحث إلى كل المعرفة المتاحة حول موضوع البحث»، أخذا فى الاعتبار أنه إذا ما حاول الباحث أن يكرر المحاولة بعد نصف ساعة من المحاولة الأولى فإنه سوف يجد المزيد من المعرفة المضافة، وهكذا...

(3) وبعيدا عن رحلة النمو الاقتصادى التى خاضتها «جوجل» والتى تعاملت مع البيانات والمعلومات باعتبارها بترول هذا العصر. ومن ثم مكنتها من أن تصبح شركة عملاقة كونية (تصنف الشركة الثانية من حيث القيمة فى عالم الأسواق المالية)، تعمل تحتها مئات الشركات لتصبح إمبراطورية حقيقية تقوم على خدمة نصف البشر الذين يعيشون على كوكب الأرض حتى الآن.. بشر أصبحوا يعيشون فى ظل هذه الإمبراطورية عمليا، بل يقيمون فى رحابها أغلب وقتهم...

(4) فى هذا السياق، زمن جوجل، ولد مصطلح المواطن الرقمى «igital Citizen»؛ (وقد استخدمنا هذا المصطلح مبكرا كما أشرنا إلى مصطلح شرفنا بنقله إلى العربية فى كتابنا المواطنة والتغيير- 2006، ألا وهو ’’مواطن الشبكة‘‘ “Netizen”).. ففى هذا الزمن انسحب المواطنون من ساحات الحركة التقليدية إلى الحركة عبر «الشبكة»: للمعرفة، والفهم، وللتعبير، وللتأثير والضغط، وللتواصل، ولإنهاء الكثير من الإجراءات الحياتية، وللتعبئة، وللتسويق، وللعمل من المكتب الشخصى، وللمضاربة، وللتعلم عبر الشبكة، وللإعلان، والإعلام، وللإبداع،...لم تعد الشبكة «عالما افتراضيا» بل «دنيا حقيقية» تتكون من «مواطنى الشبكة» الذين يجسدون تحولات ثقافيةـ اجتماعية مركبة جوهرها: «فك الارتباط» بكل ما هو قديم من قيم، وأفكار، وممارسات، وعلاقات، وتحيزات، ومؤسسات، وكيانات، وجماعات،... إلخ.. ونواصل.


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern