القرصنة بين زمنين

فى أحد المسلسلات، «تساءلت سيدة الأعمال الشريرة، جدا، والنافذة، فى وجود محاميها، الشرير، جدا،(المخلصاتى/ المشهلاتى) عندما وجدت ملفات غاية فى السرية كانت محفوظة فى نظامها الرقمى: من الذى قام بسرقة الملفات الهامة من الكمبيوتر وهى مؤمّنة بأعلى درجات التأمين التقنى؟.. وبسرعة شديدة ــ يؤكد بها يقظته للسيدة التى تقوم بتشغيله ــ تساءل المحامى: كيف دخل إلى الشركة واستطاع سرقتها؟.. فما كان من سيدة الأعمال ـ الشريرة جداـ أن نهرته بشدة بنبرة لا تخلو من سخرية بقولها: يدخل إيه يا فلان؟ اللى عمل كده مش محتاج لا يروح ولا ييجى»!!.

(2)

يعكس الحوار السابق: «رؤيتان، طريقتان» فى الفهم والإدراك، أو بالأحرى «زمنين» (أو دنيتين/ عالمين).. فالفعل الذى تم هو «سرقة ملفات رقمية».. وبلغة العصر، توصف هذه السرقة: «بالقرصنة الرقمية».. وهى فعل بمعايير «الزمن الرقمى» لا يتم إلا بواسطة شخص متخصص لديه مهارات تقنية عالية تمكنه من اختراق الأنظمة الرقمية مهما كانت درجة تأمينها. يقوم بها عن بعد. فلا يحتاج الأمر سوى «لاب توب» يعبر من خلاله «الباشمهندس» السارق، عبر الأسلاك الافتراضية إلى الحساب المستهدف الذى يحفظ الملفات المطلوب سرقتها. بهذا المعنى لا يوجد موقع محدد تحفظ فيه هذه الملفات وإنما حساب شخصى. ويمكن أن يتم فعل «القرصنة» عبر الحدود، والموانع والحواجز المادية.. فلا توقفها متاريس حديدية، أو جدران خرسانية، ستائر معدنية.. إلخ.. إنها عملية تتم فى «الفضاء» الرقمى الذى أتاح التواصل الحر والقسرى بين سكان الكوكب.. وهو ما أوجزته سيدة الأعمال الشريرة، فى الدراما التليفزيونية الرمضانية، فى عبارتها التهكمية الحادة التى ذكرناها فى البداية والتى تعبر عن «زمن جديد» ذات مضامين جديدة فى كل شىء..

(3)

فى المقابل، نجد المحامى الشرير يجسد «الزمن القديم».. فلم يزل ـ المحامى ـ يفكر بمنطق «السرقة المادية التى تحتاج أن يتحرك السارق إلى مكان الجريمة. وأظن أن مخيلته ـ فى هذه الحالة- لا تستبعد ضرورة أن يرتدى السارق قناعا كى يخفى وجهه حتى لا يتعرف عليه أحد. حيث لا مفر من بذل قدر ــ غير قليل ــ من الجهد البدنى والعضلى لا تمام العملية بنجاح. وبالطبع لا يمكن أن تتم العملية ما لم يصطحب السارق معه «عدة الشغل» التى تتكون من مجموعة من الأدوات الثقيلة اللازمة، بالإضافة إلى اصطحابه لعدد من المساعدين الذين يتميزون بنية جسمانية قوية مثل الفنان الأشهر المتميز «محمود فرج» الذى كان يظهر فى أفلام فريد شوقى (كان حارسه الشخصى فى فيلم أمير الدهاء، كما لعب دور العفريت فى فيلم الفانوس السحرى مع إسماعيل ياسين).. ولابأس استكمالا للصورة الذهنية أن يلبس السارق ومن معه الزى الرسمى للسرقة مثل «الحرامية» فى فيلم قلبى دليلى، وسوار جلد حول المعصم..

(4)

اللقطة الدرامية، بعيدا عن أنها تدور حول فعل سلبى. إلا أنها فى، ظنى، تعبر ــ بامتياز ــ عن الحالة الإدراكية العامة التى تنقسم إلى نوعين أو زمنين مغايرين ومختلفين تماما.. الأول: ينتمى إلى زمن قديم. والثانى: إلى زمن جديد. زمن يعيش أصحابه فى كل ما هو مادى وصلب ومحسوس وملموس. وزمن آخر يدرك أصحابه أنهم فى لحظة مغايرة تتجاوز الزمان والمكان. ذات طبيعة ناعمة وذكية.. وأظن أنه يمكن لكل واحد منا أن يلتقط كثيرا من اللقطات التى تعبر عن التناقض بين الزمنين.


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern