المُثقف المُحاصر..(2) المحنة المركبة للمثقف

يبدو لى أن «المثقف العربى»، يعانى من محنة مركبة تلازمه عبر العصور. وأقصد محنة «الحيرة» و«التراوح» بين: «سلطة ضميره ومطالب أميره»؛ من جهة وبين «الأمير والجماهير»؛ من جهة أخرى.. وهى القضية التى دفعت أستاذة الفلسفة بجامعة القاهرة الدكتورة هالة أحمد فؤاد لدراسته فى مؤلفها الكبير «المثقف بين سندان السلطة ومطرقة العامة: أبو حيان التوحيدى نموذجا» (هيئة الكتاب ــ 550 صفحة ـ 2015).

فمن خلال نصوص «التوحيدى»، وعصره بطبيعة الحال، قدمت لنا نموذجا حيا وعمليا لما يمكن أن نُطلق عليه ما يلى: أولا: «المُثقف الحائر» بين الاستقلال والابتذال. وثانيا: «للعلاقة المتراوحة بين السلطة والمثقفين من التوظيف السلطوى المباشر المدعوم بالمكانة والوجاهة إلى الإنكار والاستبعاد». واستعراض الآليات التى اتبعها التوحيدى من: هجوم ودفاع، وذم ومدح «التوحيدى»؛ كما وردت فى نصيه: «أخلاق (مثالب/عيوب) الوزيرين»، و«الإمتاع والمؤانسة».

(2)

«الكتابة التوجيهية»؛ هى ما ركزنا عليه فى مقالنا الأول...ونلقى الضوء فى مقالنا اليوم على ما يمكن تسميته بالكتابة التى يمارسها المثقف وتكون أقرب إلى «القتل المعنوى» أو «تصفية الحسابات»...فنجد «التوحيدى» الذى تصفه الدكتورة هالة «بالمثقف المُهمش» نتيجة الاستبعاد والإقصاء يقوم «بقراءة قاسية لابن عباد» «الصاحب بن عباد: وزير بنى بويه الأشهر بالرى، والنافذ. حيث نشأ من الوزارة وفى حجرها، ودرج من وكرها، ورضع أفاويق درها، وورثها عن آبائه. وكان قائدا عسكريا حذقا، كما كان شاعرا مُجيدا، ومعنيا بأهل الأدب حتى شبهه مادحوه بهارون الرشيد فى جمعه للشعراء والأدباء الكبار فى مجلسه»...قراءة، تصفها الدكتورة هالة «بالمتجنية والمتعنتة إلى حد ما»...وتفسر ذلك كـ«نتاج محنته الشخصية معه، لكنها قد لا تخلو من ظلال الحقيقة». وتتنوع التكنيكات التى يستخدمها التوحيدى فى قراءته.

(3)

أولا: حماية المثقف لنفسه من صراعات السلطة. بتوريط أصحابها وتبرئة المثقف نفسه بالرغم من أنه كان طرفا فيها. ثانيا: إيهام القارئ أو المواطن (القراء/العامة من المواطنين) بأنهم محاصرون بين هذه الصراعات. ثالثا: اصطناع منهج علمى موضوعى فى تقييمها...«أساليب»؛ تعكس «رغبة مضمرة لدى الراوى فى هدم وتقويض سطوة الحضور السلطوى لابن عباد». وفى هذا المقام تكشف المؤلفة عن بعض الإشارات التحليلية التاريخية التى يحاول فيها كل لاعب فى مجال الحكم أن يمارس ما لدى الآخر حيث: «يصبو السلطان أن يغدو كاتبا بليغا لا يشق له غبار، والكاتب يريد أن يصبح سلطانا». (نحيل إلى رضوان السيد فى الجماعة والمجتمع والدولة، سلطة الأيديولوجية فى المجال السياسى العربى والإسلامى ـ 2007). كذلك «قصر تسمية العلماء على أصحاب المعارف الدينية دون غيرهم من أدباء وكتاب وشعراء وأهل الكلام». وهى الظاهرة التى تتنامى مع تراجع الحداثة. حيث الفقيه يحل محل الجميع. كما تُجزل له العطايا. «ما أطاح بأهل العقل والرأى»(ونحيل هنا إلى مؤلف الأخ العزيز الدكتور خالد زيادة «الكاتب والسلطان: من الفقيه إلى المثقف» الذى يعالج هذه القضية تفصيلا بعمق ويرصد مسارها التاريخى).

(4)

وتؤكد المهمة المُلتبسة التى يقوم بها المثقف بأنه ــ بوعى أو بغير وعى ــ ينحاز ضمنا لتيار المُحافظة والجمود. ذلك لأنه يمارس نوعا من الكتابة منزوعة الرسالة والقضية؛ إن جاز التعبير. بالرغم من أنه قد يتصور بأنه قد اتبع منهجا متوازنا بين المحافظة والتحرر. وتعكس محصلة ما سبق محنة المثقف المركبة، التاريخية الممتدة والمستمرة. التى تؤكدها عبارة الدكتورة هالة العابرة التى وضعتها فى صورة سؤال: هل التاريخ يعيد نفسه؟...ولها الحق فلم تزل الاجتهادات حول قضية المثقف والسلطة محل اهتمام كبير.

(5)

ويشير «إدوارد سعيد» إلى أن المثقف؛ فى أبسط تعريف له، هو «الشخص الذى وُهب مَلكَة عقلية لتوضيح رسالة، أو وجهة نظر، أو موقف؛ أو تجسيد أى من هذه، وتبيانها بألفاظ واضحة؛ لجمهور ما، وأيضا نيابة عنه»...وهو دور صعب لأنه يستلزم «أن يطرح علنا للمناقشة أسئلة مُحرجة، ويجابه المُعتقد التقليدى والتصلب العقائدى»...ويكون شخصا عصيا على السلطة، وشبكات المصالح، وغير خاضع للابتزاز الشعبوى، ومقاوما «للامتزاج الثورى» ــ هيكل فى كتاب أزمة المثقفين الشهير الصادر مطلع الستينيات ــ إلا من خلال حوار وطنى حر...حوار ينطلق من أن شرعية المثقف (ومبرر وجوده) تقوم على أمرين هما: أولا: استقلاله. وثانيا: تمثيل كل تلك الفئات من الناس/المواطنين والاشتباك التنويرى مع القضايا المنسية، أو المهملة عمدا، أو المتناقضة مع مصالح الأغلبية منهم،...،إلخ...ونواصل.


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern