المُثقف المُحاصر... (1) أبوحيان التوحيدى نموذجا

فى نهاية السبعينيات، طرح المفكر المغربى عبدالله العروى سؤالا حول أزمة المثقفين العرب وهل هى «تاريخانية» أم «تقليدية»؟.. وهو سؤال غاية فى التركيب. ويعنى هل هذه الأزمة سببها السياق التاريخى بتعقيداته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية؟ أم أن أزمتهم تعود إلى ميلهم إلى السلفية التراثية والانتقائية من منجزات الغرب الفكرية وإعادة إنتاجها واجترارها.. وفى الحالتين تستمر أزمة المثقفين عبر التاريخ لا تجد حلا. حاول العروى الإجابة عن أسباب هذه الأزمة. وبالفعل عدد أسبابها ومن ضمنها: تبلور موقف تاريخى مضاد للعقلانية.

وأن حدوده لا تتجاوز المصنع والمكتب إلى الميدانين الاجتماعى والسياسى. وثانيا: دور الطبقة البرجوازية الصغيرة فى إعادة إنتاج أفكار العصور الوسطى. ثالثا: غلبة التفكير السكونى على الديناميكى والحركى. وكأن السكون هو الأصل لا التغيير. رابعا: المثقفون لابد وأن يكونوا «مُلحقين» بالسلطة غير «متحررين» منها.. ولم نجد دراسة لاحقة حول المثقفين تفسر لنا المسار التاريخى للأزمة التى كانت محل اتفاق تنظيرى. كان التركيز كله على مثقفى القرن العشرين (المثقفون والسلطة لغالى شكرى، والمثقف العربى والسلطة من خلال روايات التجربة الناصرية لسهيل إدريس، صور المثقف لإدوارد سعيد،...).

(2)

فى هذا المقام، يأتى المجلد الهام للدكتورة هالة أحمد فؤاد «المثقف بين سندان السلطة ومطرقة العامة» (هيئة الكتاب، ما يقرب من600 صفحة- 2015)، الذى يلقى الضوء على مرحلة تاريخية من التاريخ العربى كانت شديدة التناقض بين «مشهد سياسى شديد التعقيد ملىء بالصراعات والانقسامات، والعصبية والعنف الفعلى، وازدهار ثقافى عارم ولافت، وفضاء مُتخم بأسماء وأعلام على المستويات المعرفية كافة»، وهى مرحلة القرن الرابع الهجرى (القرن العاشر الميلادى) حيث «يقف مُثقَف العصر الوسيط بجميع صوره وتنويعاته وممارساته كافة ’’مُحاصَراً‘‘ فى مساحة ضاغطة ومأزومة بين أصحاب السلطان، أو النخبة الحاكمة من ناحية، والعامة (أو الدهماء والرعاع كما بحسب كتابات العصر الوسيط)من ناحية ثانية». وقد اختارت الدكتورة هالة أحد أهم مثقفى هذه المرحلة كنموذج «للمثقف المُحاصر» هو «أبو حيان التوحيدى» (922م/310هـ ــ 1023م/414هـ) كنموذج للدراسة. ومن خلال نصوصه تكشف عن كل من، أولا: علاقة السلطة بالمثقفين. ثانيا: نموذجا المثقف الموتور والوزير الخائف. ثانيا: مجالس الندماء التى تساوى مجتمعات النُخب. ثالثا: العلاقة المركبة بين السلطة والنخبة المثقفة والفقهاء والعامة الدهماء.

(3)

يقدم نص: «أخلاق الوزيرين» (مثالب الوزيرين «عيوب» كما يفضل البعض) حالة كاشفة وواقعية للعلاقة المتراوحة بين المثقف والسلطة. حيث يقوم أحد الوزراء بتكليف التوحيدى بالكتابة عن وزيرين آخرين. وتحت عنوان «الأخلاق» يروى عيوبهما. فتراوح النص بين «الإفراط فى المدح والمبالغة فى الذم». ومن جهة أخرى لم تدم العلاقة الطيبة بينه وبين من كلفه بالكتابة ومن ثم كتب نصه الأشهر «الإمتاع والمؤانسة» الذى كان نقيضا للكتاب الأول من حيث التعاطى مع «الرمز السلطوى». حيث نجده فى الإمتاع والمؤانسة يتذكر الأيام الخوالى بينه وبين الوزير الذى كلفه بالكتابة عن الوزيرين فى «أخلاق الوزيرين». «ممارسا ابتزازا عاطفيا جليا» من أجل استعادة مكانة زائلة والتى لا مانع فيها من توظيف قلمه، مجددا، من أجلها. ما يعكس بحسب الباحثة: «التوتر الجلى داخل وعى الذات الكاتبة وقت حسرتها وتأسيها على حالها، ما بين خيلائها المعرفى، وإدراكها قيمتها الذاتية، وقدراتها التعليمية، ودورها الخلاق فى منح صاحب السلطان الخبرات الحياتية والدراية الأخلاقية، من ناحية، وبين مأزقها الحياتى واحتياجها المضنى، بل فقرها الهاتك لكرامتها وكبريائها المعرفية والقيمية»...

(4)

إنها علاقة معقدة تمر بعدة مراحل كما يلى: أولا: «غواية» الطلب السلطوى بالكتابة. ثانيا: استجابة المثقف للكتابة المقرونة «بالإمتاع والمؤانسة» بينه وبين السلطة. أو بلغة أخرى يحظى المثقف بالمشروعية. ثالثا: لحظة حقيقة مركبة تعكسها نفسية الكاتب المثقف أو «الذات الكاتبة» (بحسب الدكتورة هالة).. وتتمثل لحظة الحقيقة فى: «تفريج الهم وبث الشكوى لذات جريحة منهكة، من جانب، وذاتية تدافع عن كرامتها وكبريائها وعدم نيلها ما تستحق من مكانة هى جديرة بها، ومستحقة لها، من جانب آخر، وأخيرا ذاتية ترتبط معاناتها بمحض الحاجة المادية، سواء كانت لديها حاجة فعلية هاتكة وهى الرغبة فى الوفرة والترف والثراء، أم تتطلع للعيش الإنسانى الكريم».. هذا هو نموذج «المثقف المُحاصر».. ونواصل الإبحار مع التوحيدى وعلاقات عصره الثقافية السلطوية بحسب دراسة الدكتورة هالة أحمد فؤاد الثرية...


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern