حراك يناير فى عيون الغرب... (5): «أنا وأنت ونحن: البشر كأبطال»

«تتعلق الحركات الاجتماعية بتغيير ما هو «ممكن» وليس إحداث ما هو مستحيل»...

(2)

حول هذا «الممكن»: طبيعته، وملامحه، وحدوده، وآثاره، ومستقبله، يقدم لنا عالم الاجتماع الأمريكى (61 عاما بجامعة نيويورك) «جيمس جاسبير» كتابه «الاحتجاج: مقدمة ثقافية للحركات الاجتماعية» (2014)؛ الذى ألفه حول ما اجتاح مناطق العالم من حراكات، بداية من مطلع 2011 ومن ضمنها «حراك 25 يناير» فى مصر. ويعود الفضل فى تقديمنا لهذا الكتاب فى هذه السلسلة من المقالات،

التى تعرض لكيف رأى «العقل الغربى حراك 25 يناير»، إلى الباحث المخضرم الأستاذ عادل شعبان الذى له باع بحثى طويل فى مجال الاجتماع السياسى والتنمية. فلقد كان يتابع سلسلتنا، مشكورا، ورأى أن يسهم فى تدعيم هذه السلسلة بأن يرسل لنا نسخة من نص «جيمس جاسبر» الذى انتهى من ترجمته مؤخرا، ومن المنتظر أن يصدره المركز القومى للترجمة (فى 2018) وقد راجعه الدكتور أحمد زايد.

(3)

تخصص جاسبر فى موضوع «الاحتجاج الاجتماعى» حيث درسه وتتبعه تاريخيا فى أوروبا، وفى علاقته بالدولة، كما درس مضمونه الأخلاقى. وجاءت «حراكات 2011» كى تدفع المؤلف إلى التنقيب عن «جديدها». ويقول فى مقدمته التى اختص بها الترجمة العربية حول إذا ما أخفقت الحركات الاحتجاجية عن «تحقيق أوضح ما قررته من أهداف»، فإنها «تحصل على قائمة طويلة من المكاسب المتواضعة والخسائر المتواضعة، بما فيها من بناء الهويات والشبكات التى لا يمكن الاستفادة بها فيما بعد أو فى المرة التالية. ونظرا لأن المرة التالية ستظل موجودة، فلن تختفى الحركات بصورة كلية أبداً. ذلك أن الأفراد والجماعات التى كونت بنية هذه الحركات تمضى فى سيرها محجوبة عن الأنظار، وتتخذ أشكالاً مختلفةً، وتعيد التفكير فى استراتيجياتها، وتراقب الأمور وتنتظر. وعلى أن تأتى هذه المرة التالية، ستظل شُعلة الحقيقة متقدةً فى قلوب المحتجين»... إذن، هناك يقينا، ودوما، «مرة تالية»...ما بقيت الرغبة فى التغيير و«ضرورته»...

(4)

مما سبق، يُعرف جاسبر «الحراكات الاجتماعية»، بأنها «جهود مستدامة وهادفة» لتعزيز أو تعويق أشكال التغيير التشريعى والاجتماعى الكبيرة، والتى تبذل أساساً خارج نطاق القنوات المؤسساتية النظامية المعتمدة لدى السلطات. أو ما أطلق عليه جاسبر: «الشارع (الميدان) كحلبة صراع».. وتعنى كلمة «مستدامة» أن الحركات الاجتماعية تختلف عن الأحداث المنفردة التى منها مثلاً: الاجتماعات الحاشدة الهادفة لإثارة الحماس الجمعى، وهى الأحداث التى تمثل الأنشطة الأساسية التى ترعاها معظم الحركات. وكثيراً ما يتيح استمرار بقاء الحركات أن تطور لنفسها تنظيمات رسمية، إلا أنها تقوم بعملها أيضاً من خلال الشبكات الاجتماعية غير الرسمية. أما كلمة «هادفة» فتربط الحركات بالثقافة والاستراتيجية: فالناس لديهم أفكار عما يريدونه وعن طريقة حصولهم عليه، وهى أفكار تتم غربلتها وتنقيتها من خلال الثقافة، ومن خلال السيكولوجيا الفردية أيضاً...

(5)

وكثير من الحركات الاحتجاجية، والانتفاضات، والثورات، انطلقت سعيا لوقف الظلم ولتغيير الأوضاع. إلا أن «جاسبر» يركز فى دراسته على بعدى: «الثقافة، والسيكولوجية الفردية فى الاحتجاج، والانتفاض، والثورة. وذلك فى محاولة لتفهم واقع المحتجين» انطلاقا من أن «النظريات الثقافية أقل فجاجة من معظم النظريات، وذلك لأن منطلقاتها تتمثل فى وجهات نظر الأشخاص، ومشاعرهم، وأهدافهم، وتصرفاتهم، وفى الخيارات التى يقررونها وهم يحاولون الوصول إلى طريقهم.. وإذا كانت «نظريات التاريخ الكبرى» تعرف من قبل ما يرغب فيه المحتجون، أو ما ينبغى أن يرغبوا فيه، وما هى الوظيفة التى لابد أن تقوم بها هذه الحركة أو تلك الحركة. تسير النظرية فى طريق المراقبة والإصغاء عندما يصرح المحتجون أنفسهم بما يريدونه علناً. فى مقابل ذلك، يعتبر الاتجاه الثقافى القادر على «تفسير وفهم دوافع ودواخل العمل الاحتجاجى والحركات الاجتماعية».

(6)

الخلاصة أن أى واحد منا يمكن أن يؤول به الأمر إلى النزول فى الشارع، لأننا جميعأً يشغلنا أمر ما للدرجة التى تجعل التهديدات الموجهة إليه قادرة على إصابتنا بصدمة نفسية تتمثل فى إثارة سخطنا عليها. فالمحتجون هم «أنت وأنا ونحن: البشر كأبطال»... «العملية الاحتجاجية».. فى هذا السياق تحدث المؤلف عن العديد من الحركات الاحتجاجية ومن ضمنها «الثورة المصرية»...


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern