زهرة المدائن ومعنى المحنة

القدس إحدى أهم المدن التى عرفها التاريخ الإنسانى. لذا سميت بـ«أم المدن».. القدس ليست «مكانا وحجرا».. إنها زمن ممتد من الأحداث التاريخية والدينية والسياسية. كما أنها المدينة التى تعكس التعددية الحضارية والثقافية والدينية على مدى هذا الزمن الممتد. وهو ما يؤكده تاريخيا الحضور البشرى المتنوع الذى أبدع حجارة ناطقة بالإيمان والمقاومة.. لذا لا يمكن فصل السياسى عن الدينى فيما يتعلق بأى مقاربة للقدس

.. إنها «زهرة المدائن» لاعتبارات كثيرة حدثنا تفصيلا عنها كل من: البابا شنودة الثالث فى المسيحية وإسرائيل وقضية القدس، الأنبا غريغوريوس فى القدس المسيحية منذ القديم وإلى اليوم، والدكتور وليم سليمان قلادة فى العديد من الدراسات، والباحث اليسارى الأستاذ مجدى نصيف، والأستاذ نبيل نجيب سلامة فى القدس. ومن خارج مصر الدكتور جوزيف موسى حجار فى القدس ماضيها وحاضرها، والأب يواكيم مبارك فى القدس- القضية. بالإضافة إلى كتابات جمال حمدان حول المسألة اليهودية وعبدالوهاب المسيرى فى موسوعته. والأستاذ محمد السماك فى القدس قبل فوات الأوان... وغيرهم.. كما نشير إلى ندوة معا من أجل القدس التى نظمها الفريق العربى للحوار المسيحى الإسلامى والتى جمعت كوكبة من المرجعيات الدينية والمثقفين المعتبرين، حيث قدموا مساهمات هامة حول القدس: قيمتها وقامتها.

(2)

ما سبق مقدمة موجزة ضرورية بعد أن تابعت بعناية ردود الأفعال على تفعيل «القانون بقرار» الذى صدر عن الكونجرس فى 1995 وموضوعه: «نقل السفارة الأمريكية إلى القدس».. ردود فعل يمكن وصفها بـ«المُرتبكة» و«المتراوحة». فهناك من: أولا، يجهل خطورة الأمر وتداعياته. ثانيا، يفرح فى سره لما جرى نكاية فى هذا الطرف أو ذاك. ثالثا، يدعى العلمانية ويعتبر أن الأمر «دينى محض» ومن ثم ليس معنيا بالأمر. رابعا، يعتبر الأمر سياسيا ومن ثم لابد من ابتعاد المؤسسات الدينية ورجال الدين. خامسا، يصبغ قضية القدس صبغة دينية ويستأثر بها: فتصير إسلامية لدى البعض، ومسيحية لدى البعض الآخر. سادسا، من لا يعى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى من أصله: جهلا، أو يأسا، أو استخفافا،...إلخ.

(3)

ولعل ملخص ردود الفعل يقول إننا فى «محنة»، خاصة أننا وصفنا المنطقة منذ أسبوعين بأنها تتعرض لـ«التقسيم والتقاسم».. ومع ذلك نجد أصحاب ردود الفعل قد تركوا «قضية القدس» وتفرغوا للسجال فيما بينهم.. لا أحد قال لنا ما دلالة قرار ترامب. وهل يعنى ذلك تخلى الولايات المتحدة الأمريكية عن رعايتها لمسيرة السلام. وماذا عن الذين رحبوا بترامب، ما موقفهم الآن؟ وهل يعلمون أن ترامب قد أجل نقل السفارة أكثر من مرة بالرغم من تعرضه للكثير من الضغوط فى 2009. هل درس أحد الكيفية التى ضغط بها اليمين المسيحى الجدى والصهيونية المسيحية على ترامب لاتخاذ هذه الخطوة الآن. وأصلا هل قرأ أحد نص القانون وأهم نصوصه؟.. وقد لفتنا النظر إليه منذ التسعينيات.

(4)

ومن أهم ما جاء فى حيثيات وديباجة هذا القانون ما يلى: «مدينة القدس هى المركز الروحى لليهودية، كما أنها تعد مدينة مقدسة من قبل الأعضاء المنتمين لمعتقدات دينية أخرى».. ويؤكد هذا النص ليس فقط على يهودية المدينة وإنما على أنها المركز الروحى لليهودية.. وليسمح القارئ العزيز أن أذكر النص بلغته الأصلية للدقة وللتاريخ:

« The City of Jerusalem is the spiritual center of Judaism، and is also considered a holy city by the members of other religious faiths».

(5)

يضيف النص - أردنا أو لم نرد ــ «الطبيعة الدينية على قرار سياسى»،...

(6)

الأهم هو أن القانون «ذكر اليهودية- اسما وبوضوح- دون غيرها من الأديان».. وكأنها الأهم والأفضل.

(7)

كما خص القدس بأنها المركز الروحى لليهودية تحديدا. ومجرد فإنها مجرد مدينة مقدسة للعقائد الدينية الأخرى دون أن يسميها.. إذن المشروعية والسيادة والملكية لليهودية والباقى ضيوف.

(8)

واقع الحال فإن القانون يكرس لإسرائيل- وحدها- الحق الدينى والحق السياسى فى القدس.. وهو ما عملت عليه من خلال تهويد القدس من خلال آليات عدة تم رصدها فى العديد من الدراسات.. أعزائى نحن فى محنة.. أمام اختبار تاريخى حقيقى.


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern