المجتمع السوى

لا يمر يوم إلا ونطالع ما لم يكن فى التخيل أو التوقع. أم تقتل أبناءها وأب يقتل زوجته. سجالات تتجاوز حدود اللياقة المجتمعية والقواعد المتعارف عليها. والأخطر أن تدور هذه السجالات فى أروقة لها تقاليد عتيدة وصارمة فى أصول الحوار ومضمونه، تبلورت عبر ممارسة رصينة تصب فى اتجاه الصالح العام. هذا ناهيك عن ضرب الحائط بكل ما هو إيجابى من قيم ترسخت فى الفكر والوجدان الجمعى للمصريين من احترام «جلال» الموت ومن ثم «ذكر محاسن الموتى» لا التشويه الهستيرى المؤلم. أو الفرح لفرح الآخرين والحزن لحزنهم.

كذلك الغش فى بيع السلع بشكل فج، حيث تجد الباعة وقد خلطوا بين الفرز الأول والفرز الثانى وربما الثالث فى «بيعة» واحدة. وهو أمر لا يمكن أن تخطئه العين. بالإضافة إلى عدم الاتقان فى العمل. والوشاية الكاذبة، والتى من المفهوم أن تأتى من الخصوم ولكن أن تأتى من المقربين. وتضاف حملات القتل المعنوى، والشللية، ضعف التسامح.. إلخ، كل هذه الظواهر وغيرها يتم طرحها فى كل محفل.. ما الذى جرى للمجتمع وقيمه؟

(2)

واقع الحال، كل ما سبق يعكس أن المجتمع المصرى يمر بحالة غير صحية. ويبقى السؤال لماذا وصل مجتمعنا إلى هذه الحالة المرضية؟...ولم تعد الإجابات الجاهزة من عينة. أولا: «أننا وصلنا إلى هذه الحالة بسبب أننا ابتعدنا عن الدين». ذلك لأن ما وصلنا إليه تم فى ظل أكثر فترة زمنية فى حياة المصريين ــ فيما أظن ــ يمارسون فيها التدين بأشكاله المتنوعة. ولكن يبدو أنه تدين لا يتجاوز الشكل. أو ثانيا: «إن ما يجرى لنا هو بسبب أننا خرجنا على قيمنا وتقاليدنا». وهى إجابة باتت لا تعنى شيئا فهى أقرب «للأكليشيه الممسوخ». لأنه فى بعض الأحوال تتم ممارسة كثير من القيم السلبية سالفة الذكر باسم القيم والتقاليد القديمة. ثالثا: وهناك من يتجرأ بإحالة ما وصل إليه المجتمع إلى: «رغبة التغيير التى تتولد لدى المجتمع فى لحظة تاريخية ما». وكأن التطلع المجتمعى للتغيير تكون نتيجته هو ما نحن فيه.

وبعد، أتصور أن هذه النوعية من الإجابات لم تعد شافية أو وافية. وآن الأوان أن نواجه «ما يعانى منه المجتمع من حالة مرضية». وهو ما علينا الاعتراف به.. نعم مجتمعنا، بلغتنا الشعبية العامية الناعمة الجميلة «بعافية»؛ وذلك سعيا إلى «المجتمع السوى»؛ بحسب إيريك فروم (1900 ـ 1980) الذى أثبت أن:

«المجتمعات شأنها شأن الأفراد يمكن أن «تمرض». و«النسيج الاجتماعى» يمكن له أن يصاب بكثير من الأمراض التى تؤثر على: صلابته، أو نموه، أو علاقة مكوناته ببعضها البعض، أو بحيويته.. إلخ، كما أن الانحياز لفرد أو طبقة على حساب الآخرين، وهيمنة أو غلبة فئة على أخرى كلها تؤدى إلى مجتمع «لا سوى» تحركه الغرائز، وأسود ما فى القلب وأشر ما فى العقل.

(3)

ويقوم «المجتمع السوى» على ثلاثة مقومات هى: «الحرية»، و«المصالحة»، و«العدالة».. ولابد من تأمين وتوفير هذه المقومات. فالمجتمع هو «الوسط» الذى يتيح انطلاق مواطنيه إبداعا وإنجازا، والعكس صحيح. فالمجتمع المريض (غير السوى) يؤدى ــ يقينا ــ إلى تحطيم وتقليص وقولبة وحصار وتسفيه نمو المواطنين. وفى هذا يقول فروم: «إذا كنت شجرة تفاح، تصبح شجرة تفاح جيدة، وإذا كنت توتة أرض، تصبح توتة أرض جيدة، وأنا لا أقول هل عليك أن تكون توتة أرض أم شجرة تفاح، لأن تنوع الإنسان كبير بصورة هائلة.. وليست المشكلة هى خلق معيار للناس ليكونوا متماثلين بل خلق معيار ينص على أن الازدهار الكامل، والولادة الكاملة، والحيوية الكاملة يجب أن تكون فى كل شخص».. ويشترط فيما سبق أن تتوفر فى هذا الوسط: «الحرية بأبعادها: السياسية، والمدنية، والفكرية، والثقافية».. والعدالة فى كل مناحى الحياة: «العدالة الاقتصادية، والتوزيعية، وفى تكافؤ الفرص، وتنمية عادلة،.. والمصالحة (العيش السوى) مع الذات، والآخر، والمجتمع».

(4)

نحن فى حاجة إلى تحرك جماعى لإصلاح اختلالات المجتمع أو شفائه من أمراضه.. تحرك فى ضوء بوصلة المقومات المطروحة التى من شأنها تأمين المجتمع السوى.


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern