منهج التاريخ: أمن قومى (4)فلسفة المنهج ونص استرشادى مقترح نحو منهج تاريخ مصرى جامع ومرجعى للمصريين

كتابة منهج التاريخ ليست ترفا أو رفاهية. فالعناية بإعداد منهج تاريخ معتبر تعنى أولا: ذاكرة تاريخية واحدة لكل المصريين كعنصر ربط وتوحيد بين المواطنين على اختلافهم. فلا تحتاج كل فئة نوعية أن تكتب تاريخها مستقلة عن الأخرى. ما يعنى احتمالية أن تكتب كل فئة ـــ تحت ظروف سياسية ـــ تاريخا استعلائيا أو إقصائيا. والذاكرة التاريخية الواحدة لا تعنى التغافل عن الخصوصيات الثقافية وإنما إبرازها فى إطار النضال المشترك لكل المواطنين المصريين فى مواجهتهم التاريخية ثلاثية العناصر ضد: الاستغلال والاستبداد والاستعمار. ثانيا: التأكيد على شخصية مصر الوطنية مركبة العناصر. ما يعكس «الوحدة والتنوع» لا «الأحادية والانفراد». ثالثا: إن التاريخ هو القاعدة التى ينطلق منها تقدم المجتمع.

«تاريخ مصر هو دراما ممتدة لا فصول متقطعة»..

(2)

وفى هذا المقام، نعيد التذكير بالفكرة المركبة التى بلورها الراحل الكبير إسماعيل صبرى عبد الله (فى دراسة «نظرة مصرية لتاريخنا الحضارى»ـ الطليعة 1970) يحذر فيها من النظر لحلقات التاريخ وكأنها منبتة الصلة عن بعضها البعض، كذلك انتقد التقسيم الكلاسيكى لتاريخ مصر(مصر القديمة، مصر اليونانية/ الرومانية، مصر الإسلامية)، الذى يبدو وكأن كل مرحلة منه منفصلة جذريا عن المرحلة التى سبقتها وعن التى لحقتها، وعن ذلك يقول: «... لم تكن العصور الثلاثة فصولا فى دراما شعب مصر التاريخية.. بل هى دراما مجتمعية حية ممتدة، حتى وإن اختفت بعض الشخصيات وظهرت أخرى». واختفى ديكور وظهر آخر، فمصر بمواطنيها يستمرون، ومن ثم تاريخهم الواحد الثرى لا التواريخ المتوازية لفئات نوعية.. والقبول بالتواريخ المتوازية فى أى وطن يعنى بداية انطلاق للصراعات المحلية بين كل فئة نوعية، حيث لا ترى كل فئة إلا تاريخها ومساهمتها المنفردة بالرغم من أن المعاناة وحدت بين المصريين، خاصة أنهم عاشوا على مدى قرون تحت ظل حكام وافدين. ولم يكن للتماثل الدينى أو المذهبى بين الحكام الوافدين والمصريين أى ميزة، فلقد عانى المصريون المسيحيون من الرومان والبيزنطيين، كما عانى المصريون المسلمون من المماليك والعثمانيين مثلما عانى المصريون المسيحيون (على المستوى القاعدى)..

«تكوين مصر لمحمد شفيق غربال: الكتاب المرجعى لكتابة منهج التاريخ بامتياز»..

(3)

«تكوين مصر»، الذى كتبه العالم الجليل ـ محمد شفيق غربال ـ (يقع فى 100 صفحة وكان فى الأصل مجموعة أحاديث إذاعية طبعت كاملة عام 1957)، عنى بالتعريف بالمركب الحضارى المصرى عبر الزمن من دون إهمال أو استبعاد أو نفى لعناصر هذا المركب.. وقد اتبع منهجا لعرض متصل لتاريخ مصر على مدى العصور.. من خلال موضوعات منتخبة على محورين كبيرين هما: المحور الأول اختار فيها قضايا بعينها لا يمكن إهمالها عند دراسة تاريخ مصر مثل أولا: التفاعل فى تاريخ مصر بين مبدأى الاستمرار والتغيير. ثانيا: عوامل التماسك الاجتماعى. ثالثا: ومكان الفرد فى المجتمع. رابعا: أوجه التباين بين المدينة والريف.. أما المحور الثانى فيهتم بعلاقة مصر بمحيطها، ودراسة مدى التأثير المتبادل بين مصر والآخرين. وأثر ما وفد إليها من أديان وحضارات وثقافات من جهة أخرى.. فدرس فى هذا السياق موضوعات مثل اتصالات مصر بالمجتمعات الأخرى الكبيرة، وعالم العهد القديم، والحضارة الهيلينية، والمسيحية، والإسلام، والعالم الغربى.

إنها محاولة مهمة لفهم الشخصية المصرية بملامحها المتعددةـ التى يتواصل تشكلها عبر التاريخ ـ فى إطارها الكلى المركب بغير إهمال لخصوصية عناصر هذا المركب عبر التاريخ.. كذلك «حركة الشعب وعناصر حضارته المادية والفكرية» بتحولاتها الثقافية والدينية واللغوية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية..

«نصوص مرجعية مقترحة»

(4)

بالإضافة إلى «تكوين مصر» لغربال؛ نشير أيضا إلى «وحدة تاريخ مصر» لمحمد العزب موسى. و«نشأة الروح القومية المصرية» لمحمد صبرى السوربونى. و«شخصية مصر» لجمال حمدان..

(5)

بهذا المنهج وحده يمكن أن نكتب تاريخ مصرنا على قاعدة الاندماج الوطنى.. من أجل مستقبلنا المشترك.. تاريخ المصريين ونضالهم من أجل المواطنة التامة.. لا تاريخ الحكام.. تاريخ نرى فيه بعضنا البعض.


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern