نيرودا: فيلم «بديع» عن الانتصار للحرية

’’قلبى (كياني) فى هذا النضال.. شعبى سينتصر... جميع الشعوب: ستنتصر، شعبا فشعبا.

هذه الآلام ستُعتصر مثل مناديل...إلى أن تقطر كل الدموع المراقة

فى حُفَرِ الصحراء، فى القبور، على أدراج العذاب البشرى.

لكن زمان النصر قريب...‘‘

هذه بعض من الكلمات الختامية لشاعر نوبل الكبير(1971)، بابلو نيرودا(1904- 1973)، التى وردت فى نهاية ديوانه «النشيد الشامل». الديوان الضخم الذى يتضمن ما يقرب من 15 ألف بيت شعرى- ويعتبره البعض الديوان الشعرى الأهم فى تاريخ الشعر الإنسانى فى القرن العشرين. حيث يتكون من 15 فصلا تتضمن 249 نشيدا.. ولم يكتبه نيرودا مرة واحدة أو فى مكان واحد. فلقد كتبه فى الفترة من 1938 إلى 1950، وعنه حصل الشاعر على نوبل للآداب فى عام 1971.. كتبه وهو ’’مطارد‘‘ من رافضى الحرية والإبداع...

(2)

وقد كانت تجربة الهروب من الاستبداد فرصة أن يتمكن الشاعر من أن يعرف وطنه، من جهة. والقارة اللاتينية من جهة أخرى. وعنها (هذه التجربة) يقول صالح علمانى مترجم النشيد الشامل إلى العربية الطبعة الأولى (2002): إنه كتاب يؤرخ لكل تفصيلة من تفاصيل نضال القارة. ووصفها «بأنها نظم تأريخى شامل»؛...لم يكتب «نيرودا» ديوانه فى مكتبه، بل انطلق يكتب أبياته الشعرية وهو مُلاحق...كان ينتقل، من مكان إلى مكان، هاربا.. وفى كل انتقال- بحسب ما كتبنا مرة- كان «يلتقى بشرا وأماكن، ويتعرف على أحوال الناس، ويفهم الواقع من مصادره الأساسية الحية الطبيعية...عن مدى الظلم الذى يقع على جموع الناس، والقهر الذى يتعرضون له، والحصار الذى يُمارس ضدهم بفعل التحالف السلطوى الأسود: السياسى والدينى والاقتصادى»...لقد كان يشابه فى ذلك مثقفنا الكبير المناضل المبدع عبدالله النديم.

(3)

حول هروب «نيرودا» و«انتقالاته» التى كانت مصدرا لإبداعه تدور قصة فيلم «نيرودا» Neruda؛ للمخرج التشيلى بابلو لارين الذى عرض للمرة الأولى فى مهرجان كان 2016. وبدأ العرض الجماهيرى التجارى نهاية 2016.. ومنذ اللحظة الأولى سوف يجد المشاهد نفسه أمام عمل أقل ما يمكن أن نقول عليه «بديع». فبالرغم من أن الحبكة الدرامية الرئيسية فى الفيلم تدور حول «المطاردة» بين «بابلو نيرودا» وبين «رجل الأمن المكلف باعتقاله» إلا أن الفيلم يستخدم المطاردة «كتكنيك» سينمائى محبب للمشاهدين. ولكنها مطاردة تتجاوز فكرة القبض على الشاعر فى ذاتها، وتتيح للمشاهدين أن يتعرفوا «مرئيا» على الواقع وتعقيداته، وعن المجتمع وبواطنه، وعن مواطنى القارة اللاتينية، وعن الأماكن وأسرارها،.. إلخ. وكيف أن كل ما سبق قد ألهم الشاعر شعره. فلقد كان يدون كل شىء، ويرصد كل موقع، ويجعل من المكان: بأحجاره وثرواته الطبيعية وأنهاره وأشجاره وزهوره وحوانيته بما تضم من حرف متنوعة، شهودا على الإنسان البسيط فى نضاله ضد الطغاة من أجل حياة كريمة آدمية...

(4)

لم تكن حياة الشاعر هى الموضوع، وإنما الصراع المجتمعى هو الموضوع. وما الشاعر إلا مدخل إلى هذا المجتمع. وما الشعر إلا التجسيد الفنى المبدع لحقيقة المجتمع دون تجميل وتذويق. ويجتهد الفيلم فى أن يجعل الشعر وكأنه هو من إبداع المشاهد نظرا لتولد وعى حقيقى لديه يمكنه من اكتشاف الواقع بتعقيداته وملابساته. فى مقابل وعى زائف تسهم فى بلورته ثلاثية التعليم والثقافة والدين، يوميا، تحول دون فهم الواقع...

(5)

هكذا يصبح المشاهد: مناضلا سياسيا، ومبدعا، وعارفا بالواقع،...هذه هى الحرية الحقيقية أن: نتحرك، ونعرف، ونبدع...لا يهم إذا كان هناك من يلاحقنا أو يحاصرنا...فالإبداع «مآله» الخلود.. والتقييد والتضييق إلى موت وانقضاء.. هكذا كان مصير بابلو نيرودا الذى يتذكره الجميع بينما لا أحد يتذكر ملاحقه الذى عاش أسير مهمة لا شرعية لها، ومات غير مأسوف عليه.. (حالة تذكرك ببطل فيلم زوجة رجل مهم للمبدعين: أحمد زكى، ورؤوف توفيق ومحمد خان)...

(6)

ولا ننسى كلمات نيرودا:

أيها المواطن / الإنسان يا من لم تنم منذ أزمان وأزمان ولم تجد العزاء، قط،

أيها الشاب المنتفض فى دياجير... ستلقى هبة وطنك العارى.

وفيه تولد ابتسامتك وتنمو مثل خط فاصل بين النور والذهب....

لنسير مزُودين بالمعرفة، ولنلمس الصراط الصحيح

بتصميم مشحون، إلى ما لانهاية، بهدفنا، ولتكون الشدة شرطا للسعادة،

فهكذا نصبح قوة لا تهزم...

إن فيلم نيرودا فيلم ينتصر للحرية والإبداع.. جدير أن يُشاهد.. نواصل..


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern