نحن وامريكا ....والحريات الدينيه

نحن وامريكا ....والحريات الدينيه

  • قصة التقارير الأمريكية للحرية الدينية (2)

    قلنا الأسبوع الماضى إن تقارير الحرية الدينية، التى كان يجب أن نعنى بها هى تقارير المرحلة الثانية التى صدرت بين سنتى 2000 و2005، لأنها هى التى روجت للمفاهيم، التى تلقفناها وحكمت إدارة أزماتنا الداخلية. أما تقارير المرحلة الثالثة، التى صدر آخرها 17 نوفمبر الماضى (تقرير الخارجية الأمريكية، وهو أحد تقريرين لابد أن يصدرا وفق القانون كل عام، والآخر عن لجنة الحرية الدينية)، فإنها رصدية بالأساس، وصارت تخضع للكثير من الحسابات الأمريكية الداخلية.

  • نحن وأمريكا.. والحريات الدينية (1)

    أستطيع أن أتفهم الموقف المصرى الحكومى من رفض التدخل الخارجى فى الشؤون المصرية. كما أستطيع أن أتفهم هذا التراوح فى استقبال التقرير السنوى للخارجية الأمريكية عن الحرية الدينية فى العالم من الأطراف المختلفة. ولكن غير المفهوم هو أن التقرير فى وضعه الحالى فى مرحلته الثالثة- كما سنشرح لاحقاً- لا يحتاج إلى كل هذه الضجة والتغطية الموسعة فى الصحف والفضائيات، التى كان يستحقها فى وقت سابق بالفعل وليس الآن. ما الذى نقصده بذلك؟

    1- بداية، أنطلق فى كتابتى عن هذا الموضوع من واقع أننى صاحب الكتاب الوحيد- فى حدود ما أعرف- باللغة العربية (الحماية والعقاب: الغرب والمسألة الدينية فى الشرق الأوسط منذ قانون الرعاية المذهبية الصادر وقت الإمبراطورية العثمانية إلى القانون الأمريكى للحرية الدينية- 2000) الذى تعرض للقانون الأمريكى للحرية الدينية الصادر فى أكتوبر من 1998، وذلك فى القسم الثانى من الكتاب (من ص 81 إلى ص 156).

    2- والواقع أن القانون مر فى ثلاث مراحل كما يلى: المرحلة الأولى وهى المرحلة التحريضية من 1995 إلى 1998 سنة صدور القانون، حيث قادت الرابطة الوطنية للإنجيليين فى الولايات المتحدة الأمريكية حملة لاستصدار قانون أمريكى يحمى المسيحيين فى العالم من الاضطهاد وكان السودان- يلاحظ السودان- الدولة النموذج التى تستدعى عند الحديث حول الاضطهاد.

    وتعد هذه الرابطة من الكيانات المحسوبة على ما يعرف باليمين الدينى الجديد. ولم يشارك فى الحملة التيار الرئيسى من الإنجيليين مثل الكنيسة المشيخية والإنجليكانية واللوثرية والمتحدة فى المسيح.. إلخ، والمتعاطفة مع القضايا العربية التى تعانى من اليمين الدينى المتشدد فى الداخل الأمريكى. وهذه النوعية من الكيانات المتشددة تعمل من خلال المجتمع المدنى وهى التى تحالفت فى الفترة الثانية من حكم الرئيس كلينتون مع اليمين السياسى أو ما عرف بالمحافظين الجدد، وجاءت بالرئيس بوش لاحقا.

    المرحلة الثانية وهى مرحلة التدويل، وأقصد بها تدويل قانون تم صدوره من الكونجرس الأمريكى أى البرلمان الأمريكى أو فى الداخل الأمريكى لكى يتم تطبيقه خارج نطاق الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وكذلك سحب قضايا الحرية الدينية فى الدول المختلفة خارج حدودها من جهة أخرى. وبدأت هذه المرحلة من وقت صدور القانون سنة 2005. وتعد هذه المرحلة فى نظرنا هى الأخطر، لأنها فرضت من خلال التقارير والإعلام مجموعة من المصطلحات المفهومية التى عممتها، ولم تميز بين دولة وأخرى فى ذلك. وهى المفاهيم التى تلقفناها وأدرنا بها أزماتنا الداخلية.

    المرحلة الثالثة من 2005 وإلى الآن، ويمكن أن نطلق عليها المرحلة الوظيفية، حيث فقدت التقارير أهميتها إلى حد كبير. وأصبحت ترتبط بالتفاعلات الداخلية الأمريكية، ويكفى أن نشير إلى أن التقرير الأخير محل التغطية الإعلامية والصادر عن الخارجية الأمريكية صدر متأخراً شهرين عن موعده، وذلك لأسباب كثيرة، حيث باتت التقارير التى تصدر ترصد ما يحدث من واقع مصادر داخلية فى الدول موضوع البحث. وعلى الأقل هذا هو الحال فى الحالة المصرية.

    3- مما سبق كان من المفترض أن تحظى التقارير بالاهتمام فى مرحلة تدويل القانون أخذا فى الاعتبار لمن لا يعلم- وهناك من لا يعلمون ولكنهم يُدعون للحديث حول الموضوع فى الإعلام بأنواعه- أن القانون الأمريكى للحرية الدينية يقضى بتشكيل لجنة من مجموعة من الشخصيات العامة يشكلها الرئيس الأمريكى بالاشتراك مع الكونجرس لمدة معينة، ويتم التجديد للأعضاء أو تعيين آخرين.

    واللجنة ليست، بحسب البعض، حكومية أو برلمانية أو أهلية وإنما لها وضع خاص. ووفق القانون على اللجنة أن تصدر تقريرا فى مايو من كل عام، كما على الخارجية الأمريكية من خلال إدارة الديمقراطية أن تصدر تقريرا عن الحرية الدينية- غير تقريرها السنوى عن حقوق الإنسان- فى سبتمبر من كل عام. فى هذا السياق صدر أول تقرير عن أوضاع الحرية الدينية فى 9/9/1999، ومن سنة 2000 وإلى الآن صدر 22 تقريرا سنويا.

    4- بالطبع حديثى هذا لا يعنى أنه لا توجد مشاكل. ولكن دوما الخلاف هو حول كيفية التعاطى مع المشاكل. فالمدرسة الوطنية طرحت هذه المشاكل مبكرا على قاعدة المواطنة بمعنى كيف يمكن توفير الحقوق للمصريين- معا- بغض النظر عن انتماءاتهم وليس بمنح امتيازات لكل فئة على حدة، وهو ما يقترب من النموذج العثمانى/ الملى، وبتأثير الخارج الذى يخلق علاقات متوترة بين من تمت حمايته ومن تمت معاقبته.

     وهو الأمر الذى تم تسويقه من خلال القانون الأمريكى بتدويل الشأن الداخلى من ناحية، والتعامل مع المواطنين كجماعات دينية ومذهبية من ناحية أخرى.. هذا بالإضافة إلى أن التقارير بعد أن نجحت فى تسويق مفاهيمها باتت روتينية فى المرحلة الأخيرة، ولا تستدعى كل هذه الضجة.. ونستكمل حديثنا فى الأسبوع المقبل.