بين «ينايرين» (2) : من «التوافق الوطنى» إلى «التراشق المجتمعى»

قبل أسبوعين بدأنا نعرض ملاحظاتنا الأولية حول الحراك الشبابى الشعبى الذى انطلق فى 25 يناير 2011، وطرحنا سؤالاً أولياً: هل ما جرى فى يناير الأول «حراك عابر» أم «انطلاقة ممتدة»؟ وخلصنا إلى أنها موجة أولى بحسب ما وصفناها مبكرا سوف تعقبها موجات متتالية متعددة الأشكال ومتنوعة الدوافع، وأنها لن تفتر وإن اختلفت طبيعتها، وبالفعل جاء يناير الثانى حيث اكتشفنا أن مياهاً كثيرة جرت حيث حمل موجة ثانية لكنها تختلف عن الأولى، ما وجه الخلاف؟ ولماذا؟

(1)

فى 25 فى يناير الأول (2011) وصل التوافق الوطنى بين المصريين حده الأعلى، كان التوافق عابرا للطبقات وللأجيال وللفئات النوعية وللجغرافيا وللأديان، توافق المصريون على أن الأحوال لم تعد تسر لا عدواً ولا حبيباً، فلقد طال الاختلال كل شىء، اختلال فى العلاقات الاجتماعية، كذلك اختلال فى عدالة توزيع الثروة العامة للبلاد حيث 20% تحتكر 80% من العائد، وفشل السياسات العامة فى إنجاز ما يحقق مطالب المواطنين، والتدهور العام فى الخدمات، والانهيار فى كثير من المرافق، بالإضافة إلى الحالة الثقافية الحدية الاستقطابية التى سادت العقل المصرى والحوار بين المصريين. ومن ثم كان الحراك المصرى كبيراً، ولم يختلف أحد على ضرورة التغيير كما لم يختلف أحد على الشعار العبقرى الذى رُفع ولخّص أمانى المصريين: كرامة إنسانية، عيش، حرية سياسية، وعدالة اجتماعية. إنه التوافق الذى استعاد المصريين من انكفائهم فى دوائر الانتماء الأولية إلى الإطار الوطنى الجامع. حتى من لم يشارك فى هذا الحراك كان بصمته متوافقا على ضرورة التغيير. توافق يقول إن مصر الجديدة لا يمكن أن تنهض إلا بتوفير المقومات الحياتية الأساسية المعنوية والمادية، وبتكامل كل من الحرية والعدالة.

(2)

وجاء يناير الثانى (2012) ليعكس حالة من التراشق المجتمعى اللفظى والمادى مستمرة وممتدة. ما الذى جرى وما الذى أدى إلى ما نحن فيه؟ البداية كانت فى استفتاء 19 مارس حيث تنافسنا على أن نقول نعم أو لا وفق تعبئة طائفية، إنه العراك الطائفى بعد الحراك الوطنى على قاعدة التوافق، التوافق الذى جمعنا وجدد اندماجنا الوطنى والذى تشاركنا قاعديا فى وضع عناصره من خلال شعار 25 يناير العبقرى على اختلافنا، ولكن الاستفتاء كان على خارطة طريق ملتبسة باعدت بيننا، تارة فى جدال حول الدستور أولاً أم الانتخابات، وتارة فى معارك بين السلفيين والليبراليين…إلخ، وبالتوازى بدأت سلسلة من الاشتباكات الميدانية من أطفيح مروراً بإمبابة والبالون وماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء ونهاية ببورسعيد ومحمد محمود مرة أخرى، ومع الوقت تبلورت ثلاث رؤى بوعى أو بغير وعى: رؤية تأخذ بالإصلاح السياسى، وأخرى رأت أن الفعل الثورى لم يؤت ثماره بعد وعليه لابد من استمراريته، والرؤية الثالثة مارست القوة لصالح دعم الإصلاح السياسى وقناعتها بأن هذا يمنع انهيار الدولة من جهة ويحقق سرعة بناء الاقتصاد واستعادة عافيته من جهة أخرى. توازت الرؤى، ومع مرور الوقت تبلورت قواعد مجتمعية لكل رؤية تصبغ عليها الشرعية.

والنتيجة تنازع الشرعيات بين ما أطلقت عليه مبكرا شرعيات: الميدان، والبرلمان، والعنفوان/ القوة.

(3)

كان من نتيجة هذا التنازع أن رأينا التراشق المجتمعى فى شتى الاتجاهات، فمن أطلقوا الحراك ومازالوا يؤمنون بالفعل الثورى كطريق وحيد لتحقيق حلم التغيير لم يمثلوا فى البرلمان، ومن خاضوا العملية الانتخابية يؤمنون بأن الشرعية قد آلت إليهم، ولكنهم دون أن ينتبهوا يريدون وصل ما انقطع على الرغم من أن الثورة هى انقطاع عما قبل، وفى هذا الخضم تقع أحداث دامية ينتج عنها شهداء، وتؤكد القراءة السريعة لموقف كل فريق من الفرق المتنازعة من الأحداث طبيعة انحيازه السياسى والاجتماعى ورؤيته للعلاج، وكلاهما يعبر بدقة عن المسافة التى تفصله عن الآخرين، ولكن الأكيد فى ظل ما سبق هو أن الفعل الثورى الذى انطلق – شئنا أم لم نشأ – قد انطلق وبات يساوى بين غضبة الشباب فى الميادين وغضبة المواطن المصرى عندما لا يجد أنبوبة البوتاجاز، فالمشهد بات يميل موضوعياً إلى أن تتصدر المسألة الاجتماعية صدارة المشهد، كيف؟ وما هى ملامحه؟ نواصل الحديث فى المقال المقبل.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern