أحوالنا بين السياسة الاجتماعية الشاملة وتصريف الأعمال

المتابع لأحوال مصر المحروسة لابد وأن يصاب بالقلق على مستقبل مواطنى الكنانة.. خاصة أنه فى الآونة الأخيرة قد ظهرت على السطح الكثير من المعلومات غير الطيبة تعكس تجاوزنا لكل الحدود الآمنة ــ فيما أظن ــ على كل الأصعدة..

فلم يعد الأمر يحتمل التعامل مع الواقع بمنطق «تصريف الأعمال» الذى يحكم ردود أفعالنا على جميع المستويات ومن جميع الأطراف من دون استثناء، وإنما نحتاج إلى وضع «سياسة اجتماعية شاملة» تستطيع التعامل مع ما يواجهنا من تحديات وإشكاليات.. فماذا نقصد بذلك.. ولكن قبل أن نجيب، ولأن لغة الأرقام دالة وناطقة وقادرة أن تعكس أحوالنا القلقة بدقة سوف نبدأ بعرض جانب منها.

أرقام وحقائق مؤلمة

تقول الأرقام إن 20 مليونا سوف يكونون جاهزين للتقدم إلى سوق العمل فى سنة 2020.. وأن ما يقرب من 20 مليون مصرى يعانون من فيروس سى الكبدى بحسب أطباء مصريين متخصصين فى أمراض الكبد أعلنوا ذلك من خلال مؤتمر متخصص حول هذا الموضوع.. وأن 40 % من سكان مصر أى أكثر من 30 مليون مواطن تحت 15 سنة ولنا أن نتخيل ماذا يعنى هذا الرقم من حاجة إلى توفير فرص تعليم وعمل وسكن.. إلخ، على مدى العقود الثلاثة القادمة وما يعنيه هذا الرقم من حاجة إلى استثمارات مهولة.. وأن 30 % يعيشون تحت خط الفقر… وأن نسبة التسرب من التعليم الإلزامى تقترب من 35 %.. وأن مصر لم تزل تعانى من نسبة أمية تصل إلى 40 %.. وأن المصريين يصرفون ما قيمته 25 مليار جنيه على الدروس الخصوصية وهو رقم يساوى أو ربما يزيد ما ترصده الدولة من ميزانية للتعليم.. وأخيرا نأتى إلى الطامة الكبرى حيث نشير إلى دراسة أعلنت نتائجها مؤخرا منذ عشرة أيام أجريت من قبل الهيئة المصرية القومية للاستشعار عن بعد وعلوم الفضاء، تذكر فيما يشبه التحذير من احتمال اختفاء الأراضى الزراعية فى مصر بعد 60 سنة إذا ما استمر التوسع العمرانى العشوائى بمعدلاته الحالية المرتفعة.. ونقلا عن الدكتور عباس زغلول رئيس شعبة التطبيقات الهندسية والمياه فى الهيئة إن أحدث الدراسات التى تمت باستخدام مرئيات الأقمار الاصطناعية تشير إلى أن منطقة شرق دلتا النيل قد فقدت حوالى 34 %من مساحة أراضيها الزراعية.. وأضاف أن بعض العلماء توقع أن تخسر مصر بحلول عام 2050 حوالى 17 % من مساحة الدلتا نتيجة الزحف العمرانى العشوائى على الأراضى الزراعية.. أكتفى بهذه الأرقام والتى أتصور أنها ممثلة لأحوالنا ولا يختلف عليها أحد مؤيدا كان أو معارضا، وأعتذر عن أى ضيق أكون قد سببته لأى أحد.. وأقدر أى جهد يبذل فى أى مجال.. بيد أن الأمر فعلا جد خطير.

***

فى ضرورة استنهاض الهمة لرفع الغمة

لقد كان من المفترض أن تثير هذه الأرقام بدلالاتها المؤلمة عن المستقبل، الهمة لرفع الغمة، ولكنها مرت مرور الكرام…ومن ثم إعادة النظر جذريا فى السياسات الحاكمة للمسألة الاجتماعية والاقتصادية المصرية على وجه الخصوص.. ولعل كل رقم من الأرقام السابق ذكرها وغيرها من الأرقام الكثيرة كفيل وحده بالانتباه وضرورة التحرك الفورى للتعاطى مع ما يترتب عليه من تداعيات لما يمثله من خطورة حقيقية على مستقبل الوطن.. وكنت أتصور أن الأرقام والحقائق المعلنة مؤخرا، والخاصة بمستقبل الأرض الزراعية فى مصر كانت وحدها كفيلة بأن تدفع نحو ضرورة التحرك الجذرى لمواجهة هذا الأمر كونها الأحدث والتى من شأنها أن تحدث هلعا لا حد له…فهل يمكن أن يتخيل أحد معى أن تنقرض الأرض الزراعية من مصر… مصر مخزن القمح فى الأزمنة القديمة.. مصر هبة النيل.. مصر الدولة النهرية بكل ما تمثله من تراث عريق ومتميز فى هندسة الرى بتفاصيله المعقدة.

بيد أنه وعلى الرغم من تداول هذه الأرقام الدالة، فإن أغلبنا لا يلتفت إليها.. وحتى لو علم بها أو اطلع عليها البعض، فإنه لا يستجيب لما تمثله هذه الأرقام من تحديات، وذلك بسبب الغرق فى دوامة الحياة اليومية بحثا عن تأمين لقمة العيش التى باتت عزيزة على الكثيرين.. أو الانجرار الذى يجرنا إليه البعض ربما عمدا إلى نقاش نفس الموضوعات التى قتلت بحثا على مدى عقود من دون حدوث تغيير يذكر.. وإعادة إنتاج نفس المقولات والأفكار وإثارة نفس الموضوعات بنفس الحجج وكأن التاريخ ساكن والزمن لا يتغير ولا توجد معطيات جديدة طرأت على الواقع مما يعنى تغير المقاربات ومن ثم الحجج.. وفى النهاية تدفع الأغلبية المطحونة ثمن هذه الأحوال التى لا تسر أحدا.

لقد حان الوقت لاستنفار الهمم من أجل مواجهة الأخطار التى تداهمنا، بيد أنه لا يمكن العمل من أجل المستقبل بمنطق تصريف الأعمال، وإنما بالأخذ بما يعرف بالسياسة الاجتماعية الشاملة.. ماذا نعنى بذلك.

***

الانطلاق من المستقبل

إن المنهج الحاكم فى التعاطى مع ما تعكسه هذه الأرقام من تداعيات هو ما يمكن أن نسميه ــ تجوزا ــ منهج «تصريف الأعمال».. وهو منهج يعنى بعلاج الآنى والمُلح والجزئى على حساب المستقبلى الشامل.. فدائما الحل الجذرى مؤجل…حيث يفرض العاجل نفسه وعليه تأتى الحلول وقتية وغير شاملة مضمونها علاجات تسكينية.. وبالأخير نصل إلى ما نحن عليه.. ولو كانت لدينا سياسة اجتماعية شاملة ومتكاملة الجوانب ما كنا وصلنا إلى هذا الحال.

إن السياسة الاجتماعية الشاملة التى نقصدها، تنطلق ملامحها وتفاصيلها من المستقبل… أو بلغة أخرى فإن السياسة الاجتماعية الشاملة يتم وضعها وفق الرؤية التى يتم الاتفاق عليها حول مستقبل الوطن فى شتى المجالات: الاقتصادية صناعية وزراعية وتكنولوجية، وثقافية، واجتماعية، وسياسية.. بشكل تتكامل فيه هذه المجالات بما يخدم الخطة التنموية للدولة.. بينما تقوم سياسة تصريف الأعمال على علاج أزمات الحاضر وإبقائها دون استفحال قدر الإمكان.. أى بقاء الأمر الواقع على ما هو عليه عمليا.. إن نهج تصريف الأعمال يجتهد فى عدم حدوث انفجارات أو توترات بإجراءات إدارية شكلية بيروقراطية الطابع فى ظل واقع يعانى بالأساس من اختلالات هيكلية فى البنية الاجتماعية/ الاقتصادية القائمة وضعف البنى السياسية والثقافية… تصريف الأعمال هو تعبير دقيق لما يعبر عنه الشباب بلغته العصرية «رفعها ما تخنهاش»، «وخليها تمشى» فلا حاجة للتفكر والتدبر والتعامل الجذرى مع الواقع.

بينما تضع السياسة الاجتماعية الشاملة المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين فى اعتبارها على اختلافهم (غنى فقير، رجل امرأة، كبير صغير، مسلم مسيحى،… إلخ)، وتحقيق مستويات جودة عالية فى شتى القطاعات من صحة وتعليم وصناعة وزراعة وثقافة، وتعظيم العائد قدر الإمكان بما يتيح الوفرة التى تمكن من إحداث تغييرات حقيقية تصب فى اتجاه تحول مجتمعى حقيقى ملموس.

ما أحوجنا إلى فتح حوار موسع بين الجميع لوضع سياسة اجتماعية قادرة على التعامل مع الواقع بإشكالياته المتزايدة وألغامه القابلة للانفجار فى أى وقت.. ونحاول أن نتجاوز ما نحن مستغرقون فيه من استقطابات حادة وانشغالات صغيرة والالتفات لجدول الأعمال المثقل بالأعباء من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

 

طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern