الغرب:شروق جديد، أى شروق، أم غروب؟

ما بعد الحقيقة، ما بعد الغرب، ما بعد النظام...تحت هذا العنوان: «المركب» انعقد مؤتمر الأمن العالمى بميونيخ منذ أيام. وهو المؤتمر الذى انطلق فى العام 1963، لحماية المنظومة الغربية وحمايتها فى مواجهة الشرق. أو ما يعرف بحرب المعسكرين: الرأسمالى والاشتراكي...



ولم يكن اجتماع هذا العام، مجرد لقاء روتيني. ولكنه نقطة تحول كونية عرضنا لملامحها مبكرا منذ أكثر من عامين ـــ فى هذا المكان ـــ عندما تكلمنا عن الحرب الهادئة، وعن الغرب الحيوى الكبير. ونبهنا إلى أن هناك تحولات كونية كبيرة قيد التشكل. وها هو لقاء ميونيخ ينعقد ولم يلتفت إليه ـــ إلا فيما ندر ـــ أحد. بالرغم من الأهمية القصوى للقاء هذا العام. وتعود الأهمية إلى سببين هما: أولا: نوعية القضايا المثارة.ثانيا: الحد الأدنى من التوافق على أن العالم يسير نحو منظومة عالمية جديدة. وأن الغرب تتبدل «هيئته» يقينا. ومن ثم متى تحديدا ـــ يأتى الجديد؟ وكيف؟ وياترى ما هى طبيعته الجديدة؟...كان هذا محور نقاشات المؤتمر التاريخى بكل المقاييس...

وهنا نعود إلى عنوان المؤتمر الذى تتكرر فيه كلمة: «مابعد» ثلاث مرات. ما يدل على أن المؤتمرين يدركون أن عالما جديدا سوف يخرج للنور «حتما» خلال فترة زمنية وشيكة. فهناك حقيقة أو حقائق جديدة تتبلور على أرض الواقع من موازين قوى جديدة، تفرض نفسها على المسرح الدولي. وان لاعبين جددا قد انضموا إلى اللاعبين التاريخيين فى ملعب الأمم. وان التقدم التكنولوجى الرقمى قد فرض قواعد جديدة للعبة الدولية. كما أن المعسكر «الفريق الغربي» لم يعد غربيا تاما فلقد انضم إليه أعداء الأمس. فى ظل انسحاب أمريكى تدعو إليه القيادة الجديدة.

إذن الغرب التقليدى لم يعد ـــ عمليا ــ على هيئته الأولى من الناحية الكيانية الفيزيقية. ما يستلزم ضرورة التساؤل حول القيم الحاكمة لهذا الغرب تاريخيا. عن مستقبلها؟ وعن قدرتها على أن تستمر مرجعيتها للعالم؟ فى ظل صعود شرقى آسيوي:صيني، وهندي، وروسي،...،إلخ.

وبالأخير، لابد من التطرق إلى أى نظام قادر على تحمل مسئولية إدارة المنظومة الدولية. هل أفول الغرب القديم يعنى بزوغ غرب جديد. أم أنه غروب نهائى وأن هناك شروقا لقيادة جديدة مغايرة. وهل تعكس التحركات الراهنة لبعض القوى البازغة مثل: روسيا أو الصين على المستوى الكوني. وإيران على المستوى الإقليمى أن منظومة جديدة قيد التكون سوف تملأ الفراغ المتنامي؟...خاصة أن وزير الخارجية الروسى قد طرح مقولة تصب فى أطروحة «المابعديات» التى عنونت التقرير الرسمى للمؤتمر وانعكست على نقاشاته.

خلاصة ما قاله لافروف أنه:سيتطلع إلى أن يتحمل قادة العالم المسئولية من أجل تأسيس نظام عالمى عادل. أو نظام عالمى جديد ما بعد «غربى»...فعالم الغرب الذى ساد لعقود أصبح ينتمى للماضي.

وهى المقولة التى اعتبرها كثيرون طالما قيلت، وبوضوح من قبل وزير الخارجية الروسى إنما تعنى تأكيد نهاية مرحلة وميلاد مرحلة جديدة من عمر النظام العالمي. وساهم فى توجيه هذا التوجه الدعوة الأمريكية لدول الاتحاد الأوروبى للخروج منه أسوة ببريطانيا التى أطلقها ترامب عشية انعقاد المؤتمر. وهو ما دفع رئيس المؤتمر، ووزير الخارجية الألمانى الأسبق، فولفانج إيشنجر، وصف ذلك بمثابة: «إعلان غير عسكرى للحرب»...حيث تزيد من ارتباك القارة العجوز ارتباكا وهى تواجه «تحركات جماهيرية قاعدية» غير مسبوقة ضد المؤسسات، والنخب، والسياسات. وتحديدا السياسات «النيوليبرالية» الكارثية. هذه السياسات التى توحدت بالقيم الغربية توحدا اختزل الغرب ــــ عند البعض ـــ فى الليبرالية الجديدة(ممن يروجون لها وممن يتلقفونها)...

المحصلة، إذن، اننا أمام لحظة تاريخية فارقة من تاريخ البشرية...تميل إلى إقامة العدالة...

فلقد توافق الحضور على أن النظام العالمى وفى القلب منه ــــ الغرب يشهد تغيرا نوعيا. وأن هناك توافقا جماعيا على أننا نعيش مرحلة ما بعد الغرب الذى عرفناه. ولكن الجدل هو هل يتدارك الغرب نفسه فى توسيع دائرة تحالفاته فيما وصفه بريجنسكي:«الغرب الحيوى الكبير». أم سنشهد تشظيا وانهيارا كاملا...يقينا لقد تمت «حلحلة» (بالتعبير اللبناني) النظام العالمي...

وظنى أن الفاعلين يتحركون وفق ما تنبأ به ه.ج.ويلز فى ذروة الحرب العالمية الثانية بأن بلورة نظام عالمى جديد سيكون، علما، ومنتجا جماعيا، تبلوره أطراف متعددة. فالاستئثار بصنع العالم لن يكون مقصورا على نخبة مغلقة، أو قلة مهيمنة، أوطبقة مستغلة، أو كرتلات أصحاب المصالح، أو المؤسسات الدولية، أو دول منفردة،...،إلخ. وإنما ستتسع دائرة الشراكة فى صنعه. كما أنه سيكون عملية مستمرة لا سقف لها تقودها قاطرة المعرفة والعلم والتكنولوجيا...وبالطبع القوة بنوعيها: الناعمة، والخشنة، أو مجموعهما فيما بات يعرف: «بالذكية»...

والسؤال: هل سنشارك ضمنا فى بلورة التغيير القادم أم لا..نتابع...


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern