وقائع مؤتمر هام حول مستقبلنا لم نهتم به

برنارد لويس: نهاية الدولة الوطنية...وبداية حقبة الانقسام المذهبي
منذ أكثر من ثلاثة شهور،عقد معهد السياسة والإستراتيجية الإسرائيلي مؤتمرا حول "الخطر الإسلامي"، في هرتز ليا ،فيما بات يعرف باسم "مؤتمر هرتز ليا" ، الذي يعقد بشكل سنوي. المفارقة أنه لم تكن هناك إشارة له من قريب أو بعيد في إعلامنا العربي،

ولم يحظ باهتمام بحثي أو سياسي. ويعد هذا المؤتمر من أخطر المؤتمرات التي تعقد في المنطقة ،وذلك لاعتبارين هما:
الأول، هو طبيعة الموضوع الذي يتم اختياره وكيفية معالجته بصور وأشكال تأخذ منحى إستراتيجيا وإجرائيا في ضوء المعلومات الغزيرة التي يتم توفيرها والأفكار التي يتم طرحها.
الثاني، هو نوعية الحاضرين،حيث يشارك فيه رموز عسكرية، واستخباراتية،وأكاديمية،واقتصادية،وسياسية،وتكنوقراطية،من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ،من المتعاطفين مع إسرائيل.
انعقد مؤتمر هذا العام،بحضور حشد غير مسبوق من المشاركين، بلغ 164 مشاركا من القيادات الإسرائيلية في شتى المجالات مثل:شيمون بيريز ،وأولمرت ،ونتنياهو،ووزراء سابقين وحاليين في الحكومة الإسرائيلية،وقيادات حالية وسابقة للموساد، وقيادات سابقة وحالية في الجيش الإسرائيلي، وقيادات عشرات من منظمات الضغط الإسرائيلية العاملة في أمريكا مثل "AIPAC " وغيرها ،ورموز المحافظين الجدد والجمهوريين مثل ريتشارد بيرل،ونيوت جينجريتش، هذا بالإضافة لممثلي عدد من هيئات التمويل الأوروبية، ورجال الأعمال،ونخبة من الأكاديميين يأتي على رأسهم "برنارد لويس"(91 عاما)،الملقب "بشيخ المستشرقين المعاصرين"، الذي ألقى كلمته في الجلسة الأولى من اليوم الثاني من أعمال المؤتمر والتي انعقدت تحت عنوان مزدوج: "اعرفوا عدوكم "Knowing Thy Enemy ، في ظلال إيران والحرب ضد حزب الله. حيث جاء في كلمته التي يمكن اعتبارها "مفتاحيه" للمؤتمر، ولمستقبل المنطقة، كيف؟هذا ما سوف نتطرق إليه بعد أن نستعرض مضمون كلمة برنارد لويس.
في كلمته أكد لويس أن ما أسماه "الحقبة النابوليونية" نسبة لقدوم نابليون بونابرت إلى المنطقة – والتي أطلقت الدولة الوطنية – قد" انتهت" بنهاية الحرب الباردة حيث القوى الدولية قد فتر اهتمامها بالشرق الأوسط،الأمر الذي يعني العودة إلى طبيعتها الأولى والتي سوف تتسم بأمرين هما:
أولا، الرجوع إلى الهوية الدينية بديلا عن الهوية الوطنية التي سادت مع حركات الاستقلال وتفرغ المنطقة للصراع مع الآخر (الغرب المسيحي) ، حيث العودة للمعركة التاريخية بين الإسلام والمسيحية والتي احتدمت أكثر من مرة قبل قدوم نابوليون إلى المنطقة،مرة في القرن السابع الميلادي،ومرة أخري مع الإمبراطورية العثمانية.كانت المرحلة النابوليونية مرحلة ذات طابع وطني استقلالي وحداثي في آن،ولكن بانهيار الإتحاد السوفيتي عادت المواجهة الدينية مرة أخرى،المواجهة التي عرفت دوما بمواجهة المسلمين ضد الآخرين،
Muslim against the rest It is always
إنها المحاولة الثالثة التاريخية كما تؤكدها كتابات المسلمين أنفسهم. وقد انطلق فيما قاله بان الهوية الأولية للشرق الأوسط دينية بالأساس وليست قومية أو إثنية.
ثانيا، يتم الصراع مع الآخر(الغرب) في ظل تنافس بين التيار السني الوهابي ويمثله بن لادن، والتيار الشيعي الذي مر بمرحلتين ثوريتين ،الثورة الإيرانية الخومينية الأولى، والثورة الإيرانية الثانية الحالية ،على هذا الصراع.والمحصلة المنطقية لما سبق،في تقديره ،الصراع مع الآخر الغربي،والتنافس على هذا الصراع بين السنة والشيعة، لابد وأن تتم عبر الصراع الداخلي في المنطقة بين المتنافسين أي بين السنة والشيعة، تماما مثل الصراع الكاثوليكي البروتستانتي الأوروبي،ويشير في هذا المقام لصدى الثورة الإيرانية وبريقها لدى أهل المنطقة على اختلاف مذاهبها.
هذه هي خلاصة الكلمة التي ألقاها برنارد لويس في إسرائيل،والتي تحتاج إلى تعليق،ولكن قبل ذلك ربما يكون من المفيد إلقاء الضوء على المنهجية التي يكتب بها برنارد لويس في إطار الفكر الاستشراقي، وقد قمنا بدراستها عند ترجمتنا لدراسته الغرب والشرق الأوسط والتي نشرت في مجلة فورين أفيرز عام 1997 وتعد مشروع كتابه الذي نشر لاحقا بعنوان أين الخطأ؟
بداية،ينطلق الاستشراق من قاعدتين هما:
• التباين المطلق و السجالية التاريخية بين الشرق والغرب .
أما عن منهج برنارد لويس،فإن برنارد لويس يكتب "بمنهجية مركبة،تحمل من الخطر الكثير.وتتجلى فيما يلي:
(1) رسم صورة تبدو دقيقة للواقع زاخرة بالتفاصيل وعامرة بالمعلومات.

(2) بناء بنية من التقابلات بين الشرق والغرب في ضوء التفاصيل والمعلومات التي
تنتقى بعناية، وتصاغ بمهارة وتحمل قدرة على الإقناع خاصة عندما تقدم في
إطار الواقع الذي دائما متخلف في الشرق ومتقدم في الغرب،من دون أي إشارة
عن الأسباب أو الجذور.
(3) تمرير مجموعة من الأفكار المعدة سلفا والتي تصب في توجهات أو استراتيجيات
محددة.
(4) الخروج بعدد من الصياغات العلمية المكتوبة برصانة وحسم.

القارئ لبرنارد لويس،يمكنه أن يلحظ بسهولة ،وبحسب إدوارد سعيد، إن جهده هو "جزء من البيئة السياسية أكثر من البيئة الفكرية الصرفة". من هذا المنطلق تأتي أهمية كلمة برنارد لويس التي ألقاها في محفل يضع استراتيجيات من أجل المستقبل ،فهو لا يتقدم بأفكار ذات طابع إشكالي فكري وإنما بأفكار تصب في الإطار "الجيوسياسي" ،فهو لا يتوقف كثيرا عن توضيح ماذا يعني بدقة بالحقبة النابوليونية ؟ وماهي الدوافع التي أدت إلى قدوم الحملة الفرنسية إلى المنطقة ؟
لاشك أن الحملة الفرنسية كانت – تاريخيا – تعكس لحظة إشكالية مركبة بين المنطقة والغرب، لحظة لقاء/مواجهة- تحديث /استعمار لم تزل تداعياتها فاعلة إلى الآن. ولكن لا يمكن اختزال بناء الدولة الوطنية في منطقتنا انه تأسس بحسب الغرب وحده دون أي عوامل أخرى،وعليه إعلان نهاية الحقبة النابوليونية، ومن ثم ضرورة الدخول إلى مرحلة الانقسام المذهبي –وأيضا –بحسب النموذج الغربي.أي انه في الحالتين وبالرغم من تناقضهما،فانه لا مفر من سلوك المسار الغربي، وكأن التطور التاريخي هو – محض – ميكانيكي،وكأن المراحل التاريخية تبدأ وتنتهي بقرارات إستراتيجية ، حيث لا يؤخذ في الحسبان الجهود الذاتية الوطنية من أجل التقدم مهما كانت ضعيفة أو كثيرة الانتكاسات. إن هذا المنهج يستقيم مع محاولات هندسة المنطقة في صيغ سابقة التجهيز، وهو ما يتبناه لويس في كتاباته منذ وقت مبكر في الترويج للنموذجين التركي والإسرائيلي ،ويتلقفه البعض الآن حول استعارة النموذج التركي بل ويستعيدون مقولات بايندر وناداف صفران..الخ، على حساب التراكم التاريخي.
يضاف إلى ما سبق، الإيحاء بان كل دول المنطقة ذات تطور واحد واختزال تنوع المنطقة في الديني فقط ما يعني أن التهديد بالانقسام المذهبي لن يكون قاصرا عل الإسلام فقط بل سيمتد إلى المسيحية الشرقية والتي ظهرت ملامحه جلية مع موجات التبشير غير المسبوقة التي تفد إلى المنطقة تحت مظلة قانون الحرية الدينية الذي صدر عن الكونجرس الأمريكي والذي درسناه تفصيلا في الكتاب الوحيد حول هذا الموضوع باللغة العربية:الحماية والعقاب..الغرب والمسألة الدينية في الشرق الأوسط،ولطالما حذرنا من تداعياته. لاشك أن هناك مهمة مزدوجة مطلوب انجازها، من جانب فتح حوار داخلي واسع يعنى بالاتفاق على بلورة رؤية ذاتية حول المستقبل تأخذ في الاعتبار لحظات نهوضنا الوطني والبناء عليها،وحماية ما تم إنجازه في إطار الدولة المدنية الحديثة التي يتم الترويج بأنها انتهت،ونسهم نحن في الداخل بتأكيد ما يقوله "لويس" عندما نقبل بجلسات الصلح العرفية ،وعندما تدار الانتخابات بمنطق العزوة والقبلية وليس البرنامج الانتخابي،وهكذا. ومن جانب آخر التمسك بالعروة الوثقى بين مكونات الجماعة الوطنية وذلك بتحقق المواطنة الثقافية Cultural Citizenship،أي المساواة الثقافية الكاملة بين المكونات الحضارية للأمة بغض النظر عن الأوزان النسبية لكل مكون في مواجهة ما أسميه" فيروس التفكيك".
إنها لحظة وجودية فارقة إما أن نكون أو لا نكون.
______________________________________________

 


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern