المواطنة الثقافية الضمان للتعددية

تحدثنا في الأسبوع قبل الماضي، عن التعددية وأن مصر لا تكون مصر إلا بتنوعها لا بأحاديتها..ولعل من أهم الضمانات التي يمكن أن تحفظ لمصر تعدديتها هو التأكيد على ما يعرف في أدبيات المواطنة " بالمواطنة الثقافية"Cultural Citizenship.. كيف؟..قبل الحديث عن هذا البعد من أبعاد المواطنة ربما يكون من المفيد إلقاء الضوء في سطور على مراحل تبلور المواطنة من خلال الخبرة التاريخية..

مراحل تبلور المواطنة

بدأت المواطنة تتبلور تاريخيا من خلال حركة الناس لاكتساب الحقوق ، وبلوغ المساواة بين الجميع من دون تمييز ،وتم هذا التبلور بمنطق المركب الذي تتكون عناصره مع التطور التاريخي ،وكان كل عنصر يعبر عن بعد من أبعاد المواطنة تتم إضافته للمركب بحسب حركة الناس والسياق التاريخي.
ويمكن رصد مراحل تكون أبعاد المواطنة كما يلي:
• في البدء كانت المساواة أمام القانون أي المواطنة المدنية Civic Citizenship.
• ثم تحقق التمثيل السياسي في المجالس النيابية فعرفت المواطنة في بعدها السياسي Political Citizenship.
• و مع التطور الاجتماعي والطبقي عرفت المواطنة في بعديها المركب الاجتماعي – الاقتصاديSocio- Economic Citizenship.
• و مع تنامي صعود الهويات الثقافية:الدينية والعرقية والجنسية ،طرح مفهوم المواطنة الثقافية Cultural Citizenship .

ومع اكتمال المواطنة بأبعادها، بغض النظر عن الدرجة والنوعية التي تتوقف على مدى التطور الذي يختلف من سياق لآخر، تعددت تعريفات المواطنة، والتي يمكن أن نجملها فيما يلي:

* تعبير عن حركة الناس اليومية مشاركين و مناضلين من أجل نيل الحقوق بأبعادها المدنية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية و الاقتصادية على قاعدة المساواة مع الآخرين من دون تمييز لأي سبب, و اندماج المواطنون في العملية الإنتاجية بما يتيح لهم تقاسم الموارد العامة و الثروة الوطنية مع الآخرين الذين يعيشون معهم في إطار الوطن الواحد.

و تتجاوز المواطنة بهذا المعنى الرؤى التي تساويها بالولاء و الانتماء خاصة و أن الأدبيات المعتبرة في هذا المجال و التي جاءت تعبيرا عن خبرة عملية و حياتية تؤكد على أنه لا يستقيم الحديث عن المواطنة من دون السياق الاجتماعي الذي تمارس فيه, و ما يعنيه من ضرورة لفهم المواطنة و علاقاتها بالبناء الطبقي السائد و الأيديولوجية المهيمنة و هيكل الدولة و طبيعتها و نمط الإنتاج و موازين القوى الاجتماعية.(راجع كتابنا المواطنة والتغيير).كما أن الحديث عن المواطنة في السياق المصري يجعلنا نتحرك من أجل بلوغ المواطنة بكل أبعادها مرة واحدة، وإدراك أهمية كل بعد.

بلغة أخرى فإننا نعتبر المواطنة ، التي هي حركة الناس ، هي الممارسة التي تضمن حضور الجميع بالرغم من التنوع الثقافي و تعدد الخصوصيات إلى معترك واحد من أجل إحداث تغييرات في البني القائمة بمستوياتها المتعددة. فالجهد المشترك هو " المجال الحيوي الجامع" الذي:
* ينقل الناس من "الخاص الضيق" إلى "العام الرحب"، بغير تناقض بين الخاص و العام من جهة، و بإبراز الأفضل لدى كل طرف و ا لتفاعل الإيجابي بين هذا الأفضل وذاك من اجل التغيير المطلوب.
المواطنة بهذا المعنى هي الحركة الجمعية للناس في إطار الوطن الواحد نحو التغيير من خلال العمل المشترك من أجل التقدم. إنها "العملية" Process التي من خلالها يتم تفعيل المركب الحضاري المصري بتنوعه . و غياب المواطنة يجعل كل عنصر داخل هذا المركب يرتد إلى دائرة حركته " الخاصة الضيقة ":العزوة والقبيلة و العشيرة و الطائفة، لأن "العام الرحب" أو الوعاء الأوسع:الوطن، فيه ما يعوق ممارسة المواطنة.فالفرد إذا ما ظل يتحرك في إطار أنه لا يوجد آخر و أن دائرة حركته الأولية (الطائفة والعشيرة..) هي العالم، فإنه لن يرى إلا ثقافته فقط ومن ثم ينفي كل طرف الآخر أو على أحسن تقدير يتجاور كل طرف مع الطرف الآخر بدون أي تفاعل أو فعل مشترك. فالجهد المشترك بين المواطنين أي ممارسة المواطنة في سياق المجال العام أو ما أسميه" الإطار الجامع"، على اختلافاتهم الثقافية هو الذي يجعل الخصوصيات الثقافية تتفاعل فيما بينها وتجعل من كل طرف يقدم أفضل ما لديه من أجل الصالح العام وليس السجال المدمر. وعليه تصبح" الخصوصية الثقافية " نسقا مفتوحا قابل للتراكم من خلال الخبرة التاريخية ذلك بالاستجابات المبدعة للتحديات و الأزمات التي تواجه الجماعة الوطنية أثناء حركتها بما تضم من بشر يجتهدون في ممارسة المواطنة, فلا تعود الخصوصية الثقافية نسقا سكونيا جامدا بل حالة ديناميكية متطورة.

المواطنة الثقافية تضمن التعددية

يأتي مفهوم "المواطنة الثقافية " Cultural Citizenship, أو المواطنة في بعدها الثقافي و الذي يعد برايان ترنر Brayan S. Turner – أحد أهم الذين ساهموا في أدبيات المواطنة – ليعيننا في فهم مدى حضور الخصوصيات الثقافية المتنوعة فيما أسميناه " المجال الحيوي الفاعل " أو عملية المواطنة في شمولها من عدمه, حيث يعرف المواطنة الثقافية بالآتي:
" أنها الحق في المشاركة – الثقافية – في المركب الثقافي العام لمجتمع بعينه.. "،

أي أنها العملية التي من خلالها يكون للخصوصيات الثقافية حق المشاركة في المركب الثقافي العام لمجتمع من المجتمعات, شريطة أن تكون هذه الخصوصيات في حالة تفاعل بما يفيد تقدم هذا المجتمع.في هذا المقام تؤخذ في الاعتبار عدة أمور و ذلك كما يلي:
1. إن المركب الثقافي العام الأحادي البسيط الغير قادر علي استيعاب التنوع الثقافي والتعددية يعكس إن هناك مشكلة ما.
2. أن حضور الخاص في العام لا يعني الإلغاء أو الاستيعاب طالما أن القضايا و الأهداف محل اهتمام هذه الخصوصيات تصب في اتجاه الخير العام.
3. أن يكون المركب الثقافي العام من "البراح" في إتاحة المساحات المطلوبة للخصوصيات الثقافية في أن تعبر عن نفسها.

تعد اسهامة ترنر التي أشرنا إليها هامة للغاية, فهو من جهة يدرك – علميا – أن المواطنة و الصراع من أجلها نشأ في الحالة الأوروبية مع الثورة الصناعية و أن حركة الناس كانت تتم من أجل المساواة الاجتماعية و العضوية الطبقية, و لكنه من جهة أخرى أدرك أن المواطنة لها أبعاد أخرى مكملة و متممة للاقتصادي و الاجتماعي و السياسي مثل الثقافي, لذا نجده يولي اهتماما كبيرا لهذا الأمر باعتبار المواطنة الثقافية من المجالات التي يجب العناية بها خاصة مع أواخر القرن العشرين و تنامي صعود الهويات الثقافية و التشظي الثقافي الذي شهده العالم ما بعد الحديث.
و من ثم يؤكد ترنر على أن تحقق المواطنة الثقافية – بالطبع في إطار المواطنة في صورتها الشاملة – يتجلى في عدة أمور منها:
1. تمثيل الهوية الثقافية الخاصة في المركب الثقافي العام بالتساوي مع الهويات والخصوصيات الأخرى.
2. إدراج التاريخ الثقافي للخصوصيات المتنوعة ضمن التاريخ العام و الذاكرة القومية.
3. حرية التعبير الكاملة للخصوصيات و إبراز المنظومة الرمزية الخاصة بكل خصوصية بصورة يألفها الجميع.
لن يتأتى ما سبق إلا من خلال إعادة النظر في نظم التنشئة، ومراجعة مناهج التعليم، والمواد الإعلامية...بحيث يراعى دوما التأكيد على حضور الآخر والتعريف بثقافته وتاريخه، ومن ثم يكون مألوفا.. فيتحقق التفاعل..وتتجلى التعددية..


طباعة   البريد الإلكتروني
0
0
0
s2smodern